هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

إنفصل جنوب السودان عن شماله في يوليو عام ٢٠١١، إلا أن عملية بناء الأمة لازالت تواجه صعوبات حيث تواجه المجتمعات في جنوب السودان تحديات كبيرة في المسيرة السياسية والاجتماعية والثقافية. وشكلت عملية قبول الذات أو النكران صدمة قوية في أنفسهم في إطار العمل المشترك من أجل بناء وطن يسع الجميع، حيث الكل يُشترط عليه شروط المواطنة. لم تكن هذه نقطة البداية التي يجد فيه السودانيين الجنوبيين أنفسهم أمام التحدي، فمنذ توقيع إتفاقية سلام نيفاشا عام ٢٠٠٥م،عاد الآلاف من السودانيين الجنوبيين من دول المهجر،التي هاجروا إليها نتيجة للحرب الأهلية الطويلة، بهدف تأسيس دولة يتشارك فيها الناس في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. لكن صدمة غير متوقعة غيرت مسار الحياة بين مجموعتين، فقد تم تسمية الجنوبيين القادمون من دول المهجر بالـعائدين (Returnees) أو أطلق عليهم لقب ( East Africa Culture) أو ثقافة شرق أفريقيا، أما المجموعة الأخرى فلقبت بالجلابة أي الموتمرالوطني بالمفهوم السياسي و يقصد بها المواطنين الذين لم ينزحوا إلى دول أخرى أثناء فترة الحرب الأهلية. هذه التصنيفات شكلت تحدي كبير في تباعد الافكاربين المجموعات المختلفة.

عادالسودانيين الجنوبيين من بلدان مثل دول شرق أفريقيا وأوربا وأمريكا بثقافات ولغات مختلفة عن لغتهم وثقافتهم الأصيلة (اللغات المحلية). إختلطت المجموعة العائدة بالمجموعة المستوطنة في الحياة الاجتماعية والسياسية، والثقافية، بتوجهات فكرية وثقافية وسياسية مختلفة.وأصبحت اللغة هي الحاجز الأول أمام المجموعتين، حيث يتحدث العائدون باللغة الإنجليزية وقليل من اللغة العربية (عربي جوبا)، أوالفصحى، بالإضافة إلى اللغة السواحيلية أو الأمهارية.أما المجموعة الثانية فهم يتحدثون باللغة العربية العامية السودانية، أو الفصحى أوالانجليزية. التمازج الكبير في وجود هذه اللغات لم يصنع مساحة كبيرة لتعارف اجتماعي ثقافي بين مكونات المجمتع الجنوبي، فلم تصل المجموعتان إلى تفاهمات سريعة بشأن الإختلاط في الحياة العامة،خاصة في مؤسسات الدولة حيث كانت للنظرة السالبة أثر كبير تجاه المواطن العائد أوالمستوطن من الجانبين.

في جنوب السودان قامت المجموعتان بالتصنيف بإستخدام لغة التمييز وطال الأمر إلى أن وصل إلى تصنيف قبلي، فأصبحت القبيلة هي المرجع الوحيد الذي يعودون إليه عندما يفشلون في التفاهم فيما بينهم -أي يستخدمون لغةالأم دون إحترام وجهة نظرالشخص الآخر أو إنتمائاته. فإذا وجد هولاء أنفسهم يتحدثون نفس اللغة (لغةالأم) تصبح المصلحة واحدة، وإذا إختلفت اللغة إختلفت إتجاهاتهم وبدأت الحساسية. يمكن الإشارة إلى أن هذه المشكلة كانت من بوادر تعميق مشكلة القبلية في جمهورية جنوب السودان، التي أمتدت إلى أزمة سياسة إثنية.

كيف عاش الجنوبيين تلك الفترة؟ أنجلينا دينس خريجة جامعة جوبا تحكي عن تجربتها، وهي تقول "لم أتداخل بصورة مباشرة مع المواطنين الجنوبيين العائدين من شرق أفريقيا أو مثلاً أوربا، في الحياة العامة. جمعني بهم حرم الجامعة أيام الدراسة، كنا نتشارك نفس البيئة المحيطة، و كان تعاملي مع المنفتحين منهم، وهم من لهم الرغبة في تعلم اللغة العربية من أجل التداخل مع الناس".وتضيف أنجلينا "عندما كنت طالبة في جامعة جوبا وتم نقلها إلى مدينة جوبا، وجدت الحياة مختلفة تماماً في داخلية البنات عن الحياة التى كنت أعيشها في الخرطوم، فكل شخص في جوبا يهتم بنفسه من حيث الأكل والشراب وهذا غير موجود في المجتمع الذي أتيت منه".

undefined

Source: Albert Gonzlez for UNDP

أمثال أنجلينا كثيرة في جنوب السودان لكن أجينق دينق له رأي آخر عن ما ذهبت إليه أنجلينا، يقول اجينق أن علاقته مع العائدين من شرق افريقيا لم تكن بسبب إختلاف الثقافة: "كنت لا أتفق معهم في أسلوبهم لكن في النهاية أدركت أنهم تعلموا الكثير من طباع شرق أفريقيا وأصبحت أتداخل معهم وأتناقش معهم، بعضهم يقبلون وبعضهم يرفضون. كل ما يقومون به يربطونه بالحرية وكيف يجب أن يكونوا أحرار، أما نحن فكان لنا حرية مقيدة".

لادو جيمس في العشرين من العمر ولد في مُخيمات دولة يوغندا إبان فترة الحرب الأهلية، له نظرة مختلفة عن المجتمع الجنوبي فقد إعتبر أن جنوب السودان فقط فيها قبائل الاستوائية لكنه عرف موخراً أن هناك قبائل أخرى. ويعترف لادو بصعوبة التعامل ليس لإختلاف الثقافة، لكن الأمر يرجع إلى غياب المعرفة عن من هم الجنوبيين وما الذي يجمعهم. ويضيف "كنت أعتبر القبائل الأخرى شماليين لكن في الحقيقة هم جنوبيين، فكان من الصعب علي التداخل معهم بسبب اللغة وهذا ما أعتقد أنه الأمر الذي يجعل التواصل عقبة بينني ومن هم في الداخل".

قد تكون قصة أنجلينا التي عاشت وسط المتعلمين أي الطلاب الجامعيين لها تأثير أكبر فتحكي أنجلينا عن أحتكاكها مع العائدين قائلة "نحن كنا نعتمد على الشراكة و لكنهم يعتمدون على الإنفراد، و في الجامعة كانت هناك ألقاب وهي السودان الجديد والسودان القديم". واصفة أن السودان الجديد يلقب به الشخص الذي يأكل وحده أما السودان القديم يقصد المجموعة التي تشارك بعضهم البعض وهذه هي التصنيفات التي تفرق بين العائدين من شرق أفريقيا أو شمال السودان.

تجربة أنجلينا تختلف عن تجربة مدينق الذي بدأ التنقل بين جوبا ويوغندا لكنه قضى حياته في السودان قبل إتفاقية نيفاشا. حيث ينظر مدينق إلى أن الإختلاف في النشأة سبب في التبعاد الكبير بين المجتمعات المتداخلة وهي العائدة والمتواجدة أصلاً. ويضيف "الحفاظ على العادات والتقاليد من الثقافة في عملية التربية التى تمتد الى الأسرة الممتدة والعشيرة في السودان لها تأثير كبير في فشل التمازج بين المجموعتين". ويضيف مدينق أن اللغة شكلت تحدي كبير بين من يتحدثون العربية أو الانجليزية رغم وجود عربي جوبا الذي يمثل حلقة الوصل".

undefined

Source: bbc.co.uk

إستقبلت جمهورية جنوب السودان كل ما هو وافد من ثقافات شرق افريقيا وأوروبا من الأزياء والمعتقدات، نتيجة للإنفتاح الذي حققته إتفاقية نيفاشا للسلام عام ٢٠٠٥. كل هذه الثقافات المختلفة التى كانت بين الرفض أو القبول عند المجتمع المحلي قد أرهقت الثقافات المحلية من الفن والتراث الشعبي. مثلاً تحول الفنانين إلى إستخدام الموسيقى الغربية أو الشرقية وفقاً للعولمة والتطور الفني الذي حدث في الخارج، بدلاً من تطوير الفن الجنوب سوداني من موسيقى وتراث الشعبي. كل هذا الضغط يهدد بعض الثقافات إلى مرحلة الإنهيار.

ولكن ما الذي يجعل ذلك ممكن؟ يقول البحاث الاجتماعي جون اكوج في مطلع حديثه أن الانسان الجنوبي وضع في مأزق القبول والرفض والتنكر بين العديد من الثقافات بدءاً بثقافة الانجليز ثم العرب ثم دول شرق افريقيا على حساب الثقافات المحلية. ويضيف اكوج أن وجود عوامل نفسية قد ساعد في تطور وكراهية محددة لثقافة ما، وهذا ما يمكن أن ننظر إليه في فشل تكوين هوية موحدة مبنية على أساس تعدد قبلي في جنوب السودان، كما أدت هذه المشاكل إلى بروز صراعات اجتماعية حول الثقافة والنوع حيث إنقطعت مراحل الإتصال في الظروف التى فرضتها الحرب.

ماهي قضية اللغة والثقافة في جنوب السودان؟ طرح هذا السؤال العديد من المثقفين داخل العاصمة جوبا عن حقيقة الصراع الثقافي وعامل اللغة. الكثيرين منهم عادو إلى جذور المشكلة التى إعتبروها أزمة المواطن في جنوب السودان و هي علاقته بالسلطة والثقافة، ومعرفة حقيقة من نحن كشعب جنوب سوداني. 

تم طرح مبادرات كثيرة لمعالجة هذه المشاكل خاصة مسألة اللغة والقبيلة لعب فيه المثقفين والشباب دوراً مهم من ضمنه عملية إعادة بناء الأمة و رتق النسيج الإجتماعي في وجود أكثر من ٦٤ قبيلة. إختيار هوية موحدة طرحت كفكرة ووجدت تأييد من الأقلية المثقفة، ولكن فقدان الثقة بين الجنوبيين كان له تاثير كبير نتج عنه الإعتماد على عنصر القبيلة.

قد يكون فشل المثقفين في تحديد وكسر حاجز الإتصال والتوصل إلى مفهوم حقيقي للهوية سبب أن منذ إستقلال السودان في عام ١٩٥٦ لم تعالج المشكلة الأساسية للشعب السوداني والتي تنحصر دوماً على تقاسم السلطة والثروة. ظهرت نتائج هذه الإتفاقيات الخاوية بعد إنفصال جنوب السودان وإعلانها دولة مستقلة، حيث لم يجيب القادة السياسيين والمثقفين الجنوبيين على سؤال: من نحن؟ وماذا نريد؟ ولكن ربما تحقق جزء معين من السؤال بتحقيق الإنفصال لكنه حدث في غياب رؤية حقيقية عن الهوية نتيجة للأفق الضيق للمثقف والسياسي الجنوبي في بلد تنتشر فيه الأمية بنسبة أكبر من التعليم.

عملية فشل بناء الأمة وترسيخ مفهوم الوطنية يجب أن تأخذ حيز كبير، و العمل على مختلف أيدولوجيات من حيث الدين الفن الثقافة ...الخ، و عدم التركيز على خلفيات إثنية. غياب التفاعل بين العائد والمستوطن يحتاج لمراجعة العديد من السياسات، فالنقطة الأساسية هي التركيز على إستخدام سياسة التمييز القبلي في الثقافة واللغة. 

الواقع ونمطية الحياة والسلوك تغيروا نتيجة لتأثير مختلف الثقافات المستوطنة و الوافدة وكونها غيرت العديد من المفاهيم الاجتماعية في المجتمع الجنوب سوداني، حيث المشاهد اليومية للمجموعتين في الحياة الاجتماعية تؤكد وجود تعبئة تمت بطريقة خاطئة، مما أدى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي. فمن الذي يقبل هذا الوضع في الوقت الذي يقتصر فيه إعادة بناء الإنهيار الاخلاقي والاجتماعي وسط مجتمع غني ثقافياً ولغوياً في دولة جنوب السودان الحديثة؟