تحذير عن نوع المحتوى: قد يحتوي هذا المقال والحملة المصاحبة له عبارات أو كلمات يمكن تصنيفها أنها مزعجة ومؤلمة ومهينة.

يفخر الجميع بتراثهم، حيث نقوم بعرض تقاليدنا وتراثنا الثقافي كأسلوب حياة ممارس. كأفارقة نشأنا بشكل خاص في اطار تراثي معين، و عند ملاحظة شؤون الأسرة الأفريقية عن قرب تتمثل صورة شائعة جدا للتربية؛ يرسم فيها معنى الهوية الجماعية قبل الفردية. يظهر الإشكال عندما يتحول الكبرياء الى منافسة شرسة لإثبات الأفضلية؛ وبالتالي استحقاق فرص حياة أفضل. فعندما يحدث ذلك، يكبر الكبرياء في تسلسل هرمي - غالبًا ما تغذيه العنصرية والقبلية – نفقد فيه قيمة المجتمع الموحد؛ وتتشكل لدينا هويات منقسمة.

undefined

لاجئة من دارفور - المصدر: boston.com

يُعرِّف مفهوم الثقافة "culture" - وهي كلمة مشتقة من الأصل"cult" - بمعنى طائفة أو مجموعة من الأشخاص يتشاركون نفس المعتقدات والأيديولوجيات وفي معظم الحالات نفس المظهر إنها اشتراكية ثقافية. في بلد مثل السودان، مليء بألوان متباينة ولغات مختلفة وممارسات متنوعة، فإن فكرة المظلة الثقافية الواحدة التي تعزز الهوية الموحدة هي فكرة فريدة تمامًا، وذلك لأطراف معينة، فلا يبدو أنها تناسب للجميع. وهكذا، يبدأ الإقصاء؛ حيث يزيح التسلسل الهرمي الاجتماعي المتحيز المجموعات الفرعية ذات المظهر غير المطابق للفكر الذائع الواحدةً تلو الأخرى. ومن ثم نسقط إلى منحدرات الانقسام والحرب والصراع، بل وحتى الكراهية. 

لا نعرف على وجه الدقة منبت وجذور هذه المسألة، لكن ربما يكون ذلك تحاملًا آخر تم التقاطه على أعقاب سنين من رصد و مراقبة العبودية. من بعض أولئك، مجموعة من الأفارقة ذوي البشرة الداكنة، الذين سُلبت إنسانيتهم وتم تداولهم كبضائع. وجاء أحفادهم بعد مئات السنين، يتحدثون بنفس لغة المعتدي ويزدهرون في ذات الأرض التي حملت معاناتهم. ذلك بغيا يستحيل نسيانه، ويبدو أن العبودية لاتزال المصدر الأساسي لمظالم القائمة اليوم والدليل على ذلك المصطلحات التي بنيت عليها. والنتيجة؟ خطاب الكراهية. كلمات مؤذية ومهينة ومذلة؛ يتم تلفيقها للإساءة لمجموعات مستهدفة تتشارك نفس المعتقدات والأصول، والتوجه وحتى المظهر.

توجد في السودان مجموعات متنوعة من المصطلحات المتعلقة بخطاب الكراهية، وهي تندرج تحت فئات مختلفة وتستخدم لتصنيف مجموعات مختلفة. يتم استخدام بعضها بشكل يومي، بصورة شخصيًة، أو على وسائل التواصل الاجتماعي ابان استخدام البعض الآخر بشكل خاص في المناطق الريفية في السودان. في أبريل 2020 وبالشراكة مع PeaceTech Lab ، أجرت أندريا استطلاعات لجمع أبرز المصطلحات المتعلقة بخطاب الكراهية المستخدمة في السودان. بعد ضم أكثر من 200 مشارك، تم التحقق من القائمة الأولية للمصطلحات من خلال ورش عمل متعددة داخل الخرطوم، والدلنج ،والفاشر لفهم أصول ومعاني هذه المصطلحات.

undefined

 في محصلة بحثنا، أظهرت البيانات أن المصطلحات المشحونة عنصريًا كانت الفئة الأكثر تكرارا وتجليا وذيوعا من المفردات البغيضة. بشكل عام ، كانت الكلمات الثلاث الأكثر ترديدًا بين المشاركين في الاستطلاع هي: "زنجي / عبد ، خادم / غربي" وكلها عبارة عن إهانات عنصرية تستهدف الأشخاص ذوي البشرة السمراء في السودان. 

هذه النتائج مفزعة، لكنها تعكس واقعنا البشع بعدة طرق. لسنوات عديدة كان السودانيون ذوي البشرة الداكنة، خاصة ساكني الاقليم الغربي والجنوبي، الأكثرتعرضا للاجحاف والتهميش. من الجلي أن النظام الغارق في التحيز العنصري قد قام بتأكيد فكرة أن هذه المناطق غير متطورة وصعبة الوصول، بل حتى لا تجد فرصة المشاركة في قرارات الحكومة واستراتيجياتها. 

undefined

فتاة سودانية بدوية - المصدر: Boston.com

المفهوم الخاطئ الأساسي في قلب خطاب الكراهية ومستخدميه هو أن فردًا ما - أفضل من الآخر - استنادًا إلى بعض السمات التي تم وضعها لتحدد القيمة الإنسانية الفعلية مثل العرق أو الدين أو العادات. هناك فكرة ضمنية مفادها أن "العرب" والسودانيين ذوي الأصول العربية والبشرة الفاتحة، هم أفضل من نظرائهم "الأفارقة" ذوي البشرة الداكنة. ربما يكون السبب المباشر في تعسر الوصول إلى ثقافة أحادية اللون في السودان، هو أن الهوية السودانية تجمع بشكل أساسي بين مجموعتين متحاربتين كانتا في السابق "عبدًا" و "سيدًا".

على الرغم من إلغاء العبودية منذ سنواتٍ بائدة، فإن العار المرتبط باحتمالية أن تنبت من سلالة "العبيد" لايزال قائما، وتثبته النتائج التي تم تحقيقها. من غير المعقول أن يتجرد الأفراد ذوي البشرة السمراء من إنسانيتهم ويطلق عليهم مصطلح "العبد" أو "الخادم" الراجع لزمن العبودية في هذا اليوم وهذا العصر! ومما يثير القلق أيضًا العادة السيئة في الإشارة الى شخص ما معنياً بمنطقته الأصلية، مما يحمل نفس الدلالة للعنصرية، الدونية والمواطنة الفرعية النابعة من كلمة "عبد".

إذن متى أصبحت الهوية إهانة؟

بعيدا عن المصطلحات المشحونة بالعنصرية، أوضحت البيانات أن الافتراءات ذات الدوافع العرقية هي عبارة عن حديث يحض على الكراهية. على سبيل المثال، لم تعد الاشارة لشخص ما على أنه "عربي جزيرة" او "جنوبي" و "إثيوبي" أوحتى "أحد أفراد قبيلة الزغاوة" إشارة الى عرقه فقط، ولكنها حكم سلبي تمامًا على شخصية هذا الفرد وقدراته وإمكانياته. تمحى الفردية وكل ما يتبقى هو الحكم المسبق، وللأسف، الصورة السائدة للفرد المذكور. إن استخدام هذه المصطلحات لا ينشر فقط المشاعر الكاذبة والسلبية، ولكنه يعزز أيضًا التسلسل الهرمي الغير المرئي لأحد المجموعات فوق الأخرى. ما هو أسوأ من ذلك هو أن الكثيرون بدأوا في معرفة واستخدام هذه التسميات على أساس كونها إهانات. تعاد كتابة الهوية على أساس كونها إهانة. أن يطلق عليك اليوم "غرابي - شخص من غرب السودان" هو مرادف لكونك عبدًا. أن يطلق عليك لقب "بدوي" مرادف لكونك بربريًا . كل هذه المصطلحات جرائم لا أساس لها من الصحة لمجموعة ثالثة خارج هذا الاطار الثقافي. تؤدي هذه التسميات إلى إستمرارية الصور النمطية المدمرة ونشر الفتنة بين المجموعات العرقية المختلفة؛ وبالتالي، التشجيع على الانقسام والفخر العرقي السام والتعصب.

كيف يمكننا إصلاح ذلك؟

إذا تم التعامل مع جميع المجموعات بشكل عادل، وأُعطوا فرصاً متماثلة، وتم ذكرهم على قدم التساوي، فلن يكون هناك أي صراع. في نهاية اليوم، جميع البشر سواسية، بغض النظرعن خلفيتهم الدينية،العرقية، أو الجنسية. فالجميع يريد نفس الشيء الأساسي: المعيشة الكريمة والعادلة.

مع أن إدخال قوانين تدين خطاب الكراهية كان خطوة كبيرة نحو سودان أكثر تسامحًا، إلا أنها ليست الحل. الكراهية والحديث الذي يحض على الكراهية والتوافق الثقافي هي مشاعر وقضايا اجتماعية ملحة تحتاج إلى حل جذري من خلال نهج قائم على الإنسان والمجتمع. نحن لانقصد بذلك جمع بعض الوجوه العشوائية ومناقشة موضوع المساواة - على الرغم من أن ذلك مفيد جدا - عوضاً عن ذلك، يجب أن تكون هناك مهمة مستفيضة لإعادة التعليم الاجتماعي. نحن بحاجة إلى سودانيين ذوي بشرة داكنة في مناصب السلطة والمناصب الإدارية ووسائل الإعلام الوطنية. نحن بحاجة إلى الاحتفال والاستمتاع والمشاركة في ثقافة الكل لأنها أيضًا ثقافتنا. والأهم من ذلك، يجب أن يكون هناك تأكيد شامل بأن السودان يسع مختلف الأطياف لكي نتعايش ونزدهر معا. كي يغدو السودان المكان الذي يجتمع فيه الناس مع بعضهم البعض كأخوة أولاً، كأفراد متميزيين ثانيًا، كمواطنيين ثالثًا، ثم بالانتماء العرقي والدّيني.

لتأمل المزيد من التحليلات وأنواع مصطلحات الكراهية التي اكتشفتها الدراسة، قم بتنزيل رابط مصطلحات خطاب الكراهية . وإذا كنت مهتما بمسألة خطاب الكراهية، انضم إلى حملتنا #ما_تناديني وشاركنا أفكارك!

 

هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الأنجليزية


ماريان هايليسيلاسي

درست ماريان هندسة الإلكترونيات وتخصصت في أنظمة التحكم في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا. بالرغم من طبيعة دراستها التقنية ، فماريان شغوفة بالكتابة وقضايا حقوق الإنسان، و يمكنكم إيجادها دوماً وهي تقرأ مقالًا إخباريًا أو تشاهد فيلمًا وثائقيًا. في وقت فراغها ، تحب ماريان مشاهدة الأفلام الكلاسيكية مثل مسلسل The Godfather أو الاستماع إلى أنواع موسيقى غير معروفة.