هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

ماذا يعني لكم المرض النفسي؟ اعزائي القراء احتفظوا باجابتكم حتى نهاية المقال. ساسرد لكم قصة حدثت لاشخاص مقربين مني. تبدأ قصتنا بأسرة صغيرة تتألف من رجل و امراة من طبقة متوسطة. حلمت الأسرة بحياة هادئة و مستقرة. مرت الأيام سراعاً واذا بالاسرة تستقبل مولودها الأول. كانت  فرحتهم  لا توصف ولا تعبر عنها الكلمات. احتفلت االاسرة و استقبلت التهاني و التبريكات من الأقارب و الجيران.

ولد الطفل و كان بحالة صحية ممتازة و بدا طبيعيا للغاية. بدأ صغيرنا في النمو و التطور. تكلم و مشى و تتطور كما يفعل الأطفال. كان كل حدث جديد في حياة الأسرة يتم توثيقه، فكانت كل حركة او خطوة يخطوها بطل قصتنا مصدراً للبهجة و السرور.

كبر طفلنا سريعا و بدأ مراحله التعليمية الأولى. كان طفلا ذكياً و سريع البديهة. لم تواجهه أي مشكلة ما عدا أنه تعرض لبعض من العنف من اقرانه. حدث صغيرنا عائلته و كانت العائلة تدعمه و تعلمه ان يثق في نفسه و ان يدافع عنها.

مرت الأيام و صار بطل قصتنا رجلا مراهقاً. في تلك المرحلة الصعبة التي ينتقل فيها الشخص من الاعتمادية و الطفولة الى الاستقلالية و النضج. في تلك المرحلة الحرجة التي تتخللها العديد من التغيرات الجسمانية و النفسية و التي عادة ما لا يستوعبها المراهقين، في تلك الأوقات العصيبة بدأت تظهر على بطل قصتنا علامات غير مألوفة.

كان يشاهد الأشياء تتحرك و هي في الحقيقة ثابتة. كان يسمع أصوات تحدثه و لكن في الواقع لم يكن هناك شخص يحدثه. كان يحاول أن يذاكر كي يحضر لإمتحان الشهادة الثانوية و لكنه لم يستطع.

بدت الأسرة قلقة جداً لما يحدث. لحسن الحظ كانت هنالك اختصاصية نفسية مقربة من العائلة. إقترحت أن هذه الأعراض قد تكون مرضية و شجعتهم على مقابلة طبيب مختص بالأمراض النفسية.

أقدمت الأسرة على هذه الخطوة الجريئة لأنهم يريدون أن يعرفوا و يفهموا ما الذي يحدث لابنهم البكر. وبالفعل قامت الأسرة بمقابلة الطبيب وبعد إجراء عدد من الفحوصات الطبية قرر الطبيب أن يشخص بطل قصتنا بمرض الفصام Schizophrenia.

يعتبر الفصام أحد الأمراض النفسية التى تتجلى بأعراض كالهلوسة والأوهام والاضطرابات في الكلام وتغيرات في السلوك. كان تشخيص الإبن بهذا المرض حادثة مفجعة، و لم يكن من السهل عليهم تصديق ذلك. كانت فترة عصيبة لم تتقبل الأسرة ما حدث. لقد رفضوا لوهلة كل ما قيل. لماذا ابني انا؟ لماذا اسرتي؟

كان للأسرة الممتدة دورا مهما في تلك المرحلة. بادروا بدعمهم نفسيا و معنوياً. كانو يتحدثون إلى المريض و يشعرونه بالألف و المودة. حاولت الأسرة الصغيرة و الممتدة دعم الابن كي لا يشعر بالاقصاء أو الغرابة.  فعلوا كل ما بوسعهم لكي يشعر بالراحة و الأمان.

بدأت الأسرة المنكوبة تتقبل الأمر شيئا فشيئا.

وقتها إنهال الجميع بالاقتراحات منهم من قال إن الصبي قد مس ومنهم من قال بأنه قد سحر و ما إلى ذلك. عليه بدأت الأسرة باستقبال المقترحات و بدأو بزيارة الشيوخ المقرئين. أيضاً دامت الأسرة على العلاج الدوائي.

لم يظهر أي من الأدوية مفعولا إيجابياً. مرت السنين برتابة شديدة. سنوات عديدة و لم يحقق الدواء النتيجة المرجوة. كانت الأسرة محبطة جداً و يئست من العلاج. لم يكن هنالك أي أمل في التحسن. بعد كل هذه السنين جربت الأسرة استشارة جديدة و بالفعل عرضوا على طبيب جديد و الذي زاد في الشعر بيتاً. تم تشخيص الحالة بالفصام والاضطراب ثنائي القطب.

الاضطراب ثنائي القطب هو مرض نفسي يتأرجح فيه المريض بين تطرفين اثنين: فرحة غامرة و اكتئاب مدمر. في نوبات النشوة تبدو على المريض اعراض كاضطرابات التفكير والفرح الشديد غير المبرر وقد يكون السلوك عدوانيا. على الصعيد الاخر يعاني المريض من إحساس بالدونية وفقدان القيمة والحزن العميق. في هذه النوبات قد تحدث محاولات انتحارية. أعزاءي وعزيزاتي اسمحوا لي بان أروي لكم عن المحاولات الانتحارية.

في يوم كئيب وفي أحد نوبات اكتئابه قرر ان يجني على نفسه. استخدم أداة توجد في كل منزل وفي كل مطبخ. كانت سكينة حاول ان يقضي بها على نفسه. جرب ان يتناول جرعة ضخمة جدا من ادويته. وهنالك الكثير من القصص الأليمة والمحاولات الانتحارية.

لم تكن تلك الحادثة سهلة على الاسرة. باتت الاسرة في اكتئاب عميق ولمدة طويلة من الزمن.

تنقلوا بين المقرئين و واظبوا على متابعة الطبيب ووضح لهم أن الأدوية تقلل من حدة النوبات ومن طول مدتها.

هل تذكرون اننا تركنا صاحب قصتنا يحضر لامتحان الشهادة السودانية و لم يفلح. حاول ثانية. حاول الانتساب الى الجامعة ولكنه لم يستطع المواصلة. هو الان يعيش مع اهله يتعافى. 

ما قرأتموه للتو فهي قصة اخي الأكبر ومن حدثتكم عنهم فهم امي وابي واخوتي.

undefined

Image Credit: https://newcomerhealthmatters.com

قد تتسألون كيف أثر وجوده في حياتي وفي حياة اسرتي. لن أبخل عليكم بهذا الجانب. هل أشعر بالحنق ضده؟ هل أكرهه؟ لا ولكني في صغري كنت أكرهه جدا عندما كنت اراه عدوانيا جدا يريد ان يؤذي ابي واخوتي. لازلت اذكر تلك الأيام التي بكيت فيها بسببه ولربما تجدوني دعوت الله ان يأخذ روحه لنستريح منه. لم أكن افهم لماذا يحدث معه هذا. لماذا هو عدواني هل كذب علينا حينما قال بانه يسمع أصوات ويرى اشياء لا ندركها. تارة تساءلت لماذا لا يزج أبي به في مصحة عقلية. لم يكن عقلي الصغير وقتها ليستوعب كل ذلك.

كبرت قليلا وبدأت افهم وقتها وشعرت بفضول كبير كي اعلم ما الذي يحدث له. اذكر انني رغبت في دراسة علم النفس كي افهم ما به. لازلت اذكر انني كنت اتحاشى ذكره في المجتمعات التي أكون فيها.

الآن وانا ادرس الطب افهم تماما ما الذي يحدث له. الآن أعلم كيف حدث كل هذا. الآن فقط أشعر بالتعاطف التام مع والدي واخوتي.

لقد تشجعت وكتبت هذا المقال بعدما تحدثت في مؤتمر” دعونا نتحدث” الذي نظمه مكتب الصحة العامة بالجمعية السودانية لروابط طلاب الطب. تحدثت عن تجربتي وتجربة اسرتي مع المرض النفسي. سأفرد مقالا كاملا للحديث عن حملة “دعونا نتحدث” و أهدافها وانجازاتها.  سعدت جدا لأنني تحدثت بصوتي وصوت العديد من الاسر. سررت لأنني اكتشفت ان أصدقائي قد عاشوا وقائع مشابهة واستلهموا من حديثي وتشجعوا وقصو علي تجاربهم. كانت تلك التجربة الأكثر جراءة في حياتي.

بدأت مقالي بتساؤل ماذا يعني لكم المرض النفسي. واكرر عليكم السؤل ذاته أتمنى أن تكونوا قد عثرتم على الجواب.

رسالتي اليكم ان المرض النفسي ليس عاراً أو عيباً، هو مرض له تشخيصه وعلاجاته. لا يحتاج المريض النفسي الى الشفقة والتعاطف بل يحتاج الى التفهم والاحتواء.

كلنا معرضون للأمراض النفسية. رسالتي لكم هي أن ثقفوا في أنفسكم واصدقائكم فالصحة النفسية لا تتجزأ عن الصحة العامة.

  أتمنى أن يكون مقالي هذا ملهما لكم و أتمنى أن تأخذوا أول خطوة وتثقفوا أنفسكم عن الصحة والامراض النفسية. 


عزة أسامة عبد المجيد

طالبة طب و كاتبة