هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

اختتمت جمعية الأمل في شهر أغسطس 2018 مشروع الأعلام والملصقات كأصوات بمدينة واو، وذلك بإقامة ورشة للنازحين داخل مخيم الأمم المتحدة بالمدينة، والذي يعد اكبر مخيم في الجنوب حيث يصل عدد الموجودين فيه الي خمسة وثلاثون الفا (35000). يهدف هذا المشروع الفني إلى تمكين المواطنين ورفع أصواتهم عن طريق جمعهم في مكان واحد لمناقشة مختلف القضايا، والتي عادة تتعلق بالثقافة والجمال وقضايا الحرب والسلام والحب والانسانية. يتم ترجمة هذه الافكار إلى أعلام أو ملصقات عن طريق تقطيع الملابس البالية وجمعها ثم خياطتها لتخرج بشكل فني جميل ومبسط. تمكن القطع الفينة للناظر ان يفهم المغزي من أي علم أو ملصق دون أن يستفسر كثيرا.

هذا المشروع تم تنفيذه بدعم من "أوسيا" (Open Society Initiative for Eastern Africa “OSIEA”) كتتويج للشراكة القائمة بين الجمعية والبروفيسور خالد كودي الفنان تشكيلي واستاذ الفن الافريقي بكلية بوسطن في الولايات المتحدة الامريكية. في النصف الاول من المشروع تم إختيار عدد ستة فنانين تشكيليين من قبل الجمعية، وهم الفنان التشكيلي أكوت دينق، إيمانويل لونقا، بول مناس، مارتن وده، سليمان أحمد والتشكيلية سارة جمعة. بعدها تم أخذهم إلى كمبالا لحضور ورشة تقوية قدرات، والتي تضمنت تدريب التشكيليين على استخدام مختلف المواد للفن وتحويل الاوساخ وقوارير المياه الفارغة إلى أعمال فنية، بالإضافة إلى تقنية النحت والتقطيع. إستمرت الورشة بين كلية الفنون الجميلة ومعهد نياد لاسبوعين. بعد ذلك عمل فريق الست تشكيليين مع نساء من جنوب السودان مقيمات في كمبالا في ورشة عمل استمرت ثلاثة ايام و اختتمت بمعرض.

بعد الرجعة إلى جنوب السودان سافر إلى مدينة واو كل من دينق ألينق مؤسس ومدير جمعية الأمل و البروفيسور خالد كودي المدرب المسؤول بالورشة و ويك أيوم مسؤول المالية والإدارة و الفنانة التشكيلية سارة جمعة، الفنان أكوت دينق، الفنان إيمانويل تيتو. وقد تم اختيار عدد خمسة وعشرون (25) مشارك، جلهم من الشباب من الجنسين. بدأت الورشة بالمخيم يوم الخميس الموافق الثاني من أغسطس واختتمت يوم الأحد الموافق الخامس أغسطس بمعرض داخل ميدان المخيم حضره اكثر من الف نازح.

undefined

تصوير ساندي كونتينو

وعن ذلك تحدث فنان النحت المقيم داخل المخيم جوزيف دانيال عن تجربته عامة قائلا "انا فنان منذ كنت صغير لكن لم اجد الدعم والتشجيع لكي اواصل في الرسم". ويجيب جوزيف الذي دخل المخيم منذ العام 2016م عن سؤال أندريا حول ما استفاد منه في الورشة التى اقامتها الجمعية بالمخيم قائلا "ان هذه الورشة اعادت لي الأمل المفقود وذكرتني بالاشياء التى نسيتها منذ امد بعيد جدا، انا سعيد لاني تعلمت منهم خبرات جديدة ستفيدني كثيراً في عملي. وبسبب هذه الورشة سأرجع الى الرسم مرة اخرى. وأتمني من جمعية الأمل الأدبية ان تدعمنا بمواد الرسم والفن حتي لا نيأس".

وقابلت أندريا الفنان اليافع هنري أنجلو وهو ابن ستة عشر ربيع وهو فنان موهوب بالفطرة. ولديه ايمان بانه يمكنه صنع الفارق عن طريق ريشته ولا يتنفس اي شئ غير الفن. لقد كان هنري طريح الفراش يعاني من الملاريا عندما وصل وفد الجمعية إلى المخيم. ترك المستشفي وأتى إلى مكان الورشة الذي لا يبعد كثيرا عنه، رغبة في التعلم والتواصل مع الفنانين القادمين من جوبا.
جلس ليتابع محاضرة كودي حول الفن التشكيلي وكيف يمكن للفنان أن يكون فعال في مختلف ضروب الفن. جلس لبضعة دقائق ولكن جسده لم يسعفه حيث عانى من نوبة الملاريا مجدداً لدرجة ان البروفيسور كودي طلب منه العودة إلى المستشفي (بعد أن علم بقصة هروبه من المستشفى) والخلود إلى الراحة حتي يأتي في اليوم التالي أقوي، لكنه رفض كأنه يريد ان يقول لكودي أن إله الفن سوف يشفيني خاصة وأن مدينة واو تتنفس الفن والثقافة.

يحكي هنري قصته لـ(أندريا) قائلا "منذ كنت صغير كنت ألعب بالطين وأصنع منه مجسمات صغيرة ومنها بدأت أرسم، واستمريت بالرسم حتى عندما دخلت المدرسة. لكن الصعوبات التى كانت تواجهني هي عدم وجود أوراق وأقلام الرسم أحياناً". ويضيف أنجلو بأنه قبل بدء النزوح بمدينة واو كان في مدرسة ولكنه الآن لا يلتحق بمدرسة لأنهم نزحوا إلى داخل مخيمات بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، ولم يتمكن من الاستمرار في الدراسة بعد. كان أنجلو في الفصل السادس عندما بدأ النزاع المسلح. كان هنري قبل الحرب يجلس ليرسم الناس مقابل قيمة مالية رمزية، حتي يساعد نفسه. فهو يرسم وجوه الناس (بورتريه) ويعطيه الناس مقابل ذلك مبالغ زهيدة تصل الي 70 جنيه واحيانا 100 جنيه ويستخدم هذه المبالغ في شراء الاوراق واقلام الرصاص. شدد أنجلو على ضرورة اقامة مثل هذه الورش موضحا "نحن بحاجة ماسة لمثل هذه الورشة التي تشجع الفنان لمدى بعيد في مجال الفن التشكيلي كما وفرت الورشة فرص نادرة جدا ان نلتقي بالفنانين من خارج مدينة واو ومن خارج جنوب السودان مثل خالد كودي."

undefined

تصوير ساندي كونتينو 

من الجانب الاخر كانت أسماء أبكر إحدى المشاركات في الورشة تنظر وتتأمل أحد الاعمال التي أنتجوها في الورشة. وأسماء هي واحدة من أوائل الذين هربوا إلى المخيم بعد اندلاع الحرب في العام 2016 وهي والدة لعدة اطفال. بدأت حديثها مع أندريا "زوجي في الخرطوم وانا هنا مع أطفالي، لم افعل اي شئ منذ اتيت إلى المخيم، بل اصبحت الحياة بالنسبة لي مملة جداً هنا في المخيم لأنها ليست كما الحياة في المدينة". وتضيف أسماء انها تعلمت كثيرا من سارة جمعة (فنانة تشكيلية وعضو في جمعية الأمل). علقت "سارة شجعتني على عدم الاستسلام فمهما تكون الامور سيئة فان يوم غدٍ سيكون أفضل. كما علمتني كيفية استخدام الالوان مع اني لست رسامة فانا اصلا اغني، ولكن ما تعلمته هنا فاق التوقعات. حضرت من قبل اكثر من 20 ورشة ولكني لم اتعلم طوال السنين السابقة ما تعلمته في هذه الورشة. هذه الورشة اعطتني اهم شيء و هو الرجاء بغد مشرق. أتمني أن يجدنا الشباب خارج المخيم عندما يعودون في المرة القادمة".

وتحدثت "أندريا" بطبيعة الحال مع دينق ألينق مؤسس جمعية الأمل والكاتب بالمجلة. قال دينق "مررت انا وبقية الفريق بتجارب عدة إلا ان ما وجدناه في واو كان مختلف، حيث عانينا في بادر
الامر بهزات نفسية لما يعانيه الناس في المخيمات. نحن نسمع فقط بأرقام المتواجدين في المخيمات في مختلف ولايات البلاد ولكننا لم نكلف انفسنا عناء زيارتهم والاطلاع على حياتهم هناك. تأثرنا كثيرا عندما سمعنا بقصص كثيرة، وتيقنت اننا فعلنا الشيء الصائب هذه المرة وهو العمل مع النازحين في المخيم. ذلك بالفعل فتح عيونهم للكثير من الاشياء من حولهم و أن من في الخارج هناك لم ينسوهم".

ويشرح دينق فكرة المشروع التي تمت بشراكة الجمعية مع البروفيسور والفنان التشكيلي خالد كودي "فكرة الأعلام مأخوذة من تاريخ وثقافة الامريكان الأفارقة ايام الاستعباد حين كانوا يباعون في الاسواق والمزادات. فقد كان افراد الاسرة يقطعون من ملابسهم قطع صغيرة ويلصقونها مع ملابس غيرهم من أعضاء الأسرة كذكرى. هكذا كانوا يحافظون على ذكراهم مع بعضهم البعض أينما
ذهبوا، إستشفينا الفكرة من هذا التاريخ. وتجميع الملابس لصنع الأعلام والملصقات أصبح نوع من أنواع التعبير الفني المؤثر والحديث. وكما قيل، إن أردت أن يتماسك الناس فاليبنوا شيئاً مع بعضهم البعض. ان ما نقوم به خلال هذا المشروع هو جمع المواطنين في مكان واحد للمناقشة وإخراج أفكارهم إلى حيز التنفيذ وإرسال رسائل مختلفة عن الحب والانسانية والسلام الذي ننشده جميعاً. تعلمنا الكثير من مواطني واو الموجودين في المخيم، إن حبهم للحياة لا يضاهيه شيء. ورغبتهم في التعلم ظاهرة من خلال المناقشات وصنع الأعلام. ان هذه الورشة انجح ورشة اقامتها الجمعية منذ ان إنطلق هذا المشروع العام الماضي. شكراً لشركائنا بالأخص "أوسيا" التي وضعت فينا الثقة كي نغرد اعلى الشجر ودعمت المشروع بسخاء، وساعدتنا أن نعطي الناس الأمل والعمل من أجل السلام والوئام".

undefined

تصوير ساندي كونتينو 

رغم معاناة الحرب وما يترتب عليها من صدمات نفسية ونسبة للمآسي والتجاوزات التي تقع، على الرغم من كل ذلك يظل الرجاء للسلام و الإستقرار وغدٍ أفضل. مثل هذه المبادرات تساهم في علاج الصدمات النفسية وزرع الأمل في نفوس الناس مع تشجيع روح السلام والمصالحة بين المواطنين. فالسلام يظل منشود وهو الشيء الذي يمكن أن نتحدث عنه في اي مكان وزمان، والشعوب الواعية هي الشعوب التي تشجع وتعمل من أجل السلام والاستقرار.

لمزيد من المعلومات زوروا موقع الجمعية أو صفحتهم على فيسبوك و تويتر .