هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

undefined

تقع منطقة جبل أولياء على بعد 40 كيلومترًا جنوب الخرطوم، و تعتبر أكبر منطقة للصيد في العاصمة. وفقًا لتقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة FAO التابعة للأمم المتحدة؛ يبحر ما يقدر بحوالي 500 قارب صيد في سد النيل الأبيض، مما شكّل مجتمعًا يعول على صيد الأسماك و يأتي من مناطق مختلفة من البلاد. خزان جبل أولياء، الذي يعتبر ثاني أكبر خزان للمياه على النيل بعد بحيرة النوبة، تمتد بحيرته على مسافة 635 كيلومترًا جنوب الخرطوم. و تشكل مصدر رزق لأكثر من 1،594 صياد سمك، بسبب الكمية الثابتة من الأسماك التي توفرها سنويًا والتي تبلغ 15 طنًا. إضافة إلى ذلك، يغطي السد مساحة كبيرة تسهل إبحار الصيادين حول البحيرة.

undefined

" كان أسلافنا صيادي تماسيح؛ لم نعرف شيئا سوى هذا النهر؛ لقد نشأت كصياد سمك؛ ولم أذهب حتى للمدرسة." يقول أحمد، صياد سمك لأكثر من سبعين سنة.

الصيد هو مصدر رزق تقليدي. فقد قطع أحمد وعائلته عشرات الأميال على قواربهم متجهين شمالاً في رحلة طويلة من القطينة الواقعة بولاية النيل الأبيض لمتابعة مهنة صيد السمك. في النهاية، استقروا في جبل أولياء بعد أن وجدوه من أكثر المواقع إنتاجية، وشرعوا في البدء بمهنة صيد ستستمر لأجيال عديدة قادمة.

غالبية القوارب المستخدمة في الصيد مصنوعة من الخشب، ويتم تجميعها محليًا على أطراف النهر، ثم يتم نحتها وصقلها جيدًا لتوفير سطح مقاوم للماء. تعتبر هذه القوارب -عوضاً عن دورها الأساسي في الإبحار- منازل عائمة للصيادين حيث يمكنها حمل الضروريات اليومية على متنها مثل أسطوانات الغاز وأواني الطبخ والبطانيات. أحياناً تستغرق رحلتهم أكثر من 12 ساعة يوميًا، بدءًا من غروب الشمس وحتى اليوم التالي. يبدأون بنشر شباكهم الواسعة ذات الثقوب الضيقة عبر البحيرة، ثم يخيمون بهدوء حتى شروق الشمس، على أمل أن يصطادوا أكبر قدر ممكن من الأسماك. لا يقوم هؤلاء الصيادون عادة بزيارة عائلاتهم بصورة يومية، بل يقضون حوالي أسبوعين بعيداً عن الشاطئ لكل دورة صيد؛ وذلك من أجل إحضار كمية مناسبة من المنتجات ليتم توزيعها على البائعين في أسواق الأسماك في الخرطوم.

undefined

يظهر الصيد أحيانًا كمهنة محفوفة بالمخاطر. هناك مخاوف بشأن سلامة الصيادين، خاصة خلال موسم الأمطار حيث يقضون وقتًا طويلاً في السد بعيدًا عن الشاطئ. "قبل يومين وقع حادث مفزع، غرق قارب أودى بحياة صيادين"، كما اشتكى الكحلي، وهو صياد مكابد. أضاف "رغم الخطر، لا نزال نتمسك بتلك القوارب القديمة". وأوضح السبب هو شح الحالة الاقتصادية المتزعزعة في الأسرة والعمل، وأنه غير قادر على شراء قارب جديد لتجنب مثل هذه الحوادث التي لربما يوما ما يصبح هو ضحيتها التالية.

undefined

تمكن عدد قليل من الصيادين من تجديد أو شراء قوارب جديدة مصنوعة من الفولاذ أو الألياف؛ التي تتمتع بمقاومة أفضل للماء، إضافة لكونها مدفوعة بمحركات أكثر قوة، على عكس نظرائها من القوارب الخشبية.

و ضّح القاسم- أحد الصيادين في السد- سبب جلبه لابنه للصيد، "نحن بحاجة إلى المال ونحتاج لإطعام عائلتنا، لذا كلما زاد عدد الأيادي العاملة، ازدادت الأسماك التي يمكن صيدها، وبالتالي بيعها ". وأضاف: "على الرغم من أننا صيادون، إلا أننا لا نستطيع دائمًا تناول ما نصطاده، فأحيانًا لا نتناول السمك لمدة شهرين على التوالي". وألقى باللوم على الظروف الصعبة التي تفرضها البلاد. فدائما ما ينهزم الصيادون أمثاله أمام سيف الاقتصاد الباتر.

في الصباح ، تبدو الشبكة ثقيلة، وهذه علامة جيدة تعني وجود الكثير من الأسماك العالقة. يبدأون في الامساك بها، حزمة تلو الأخرى، حتى يتفحصون حصاد الليلة السابقة. يشمل المصيد أنواعًا عديدة من الحياة البحرية، ولكن ما يتم انتقاؤه من الشبكة هو الأكثر طلبًا وقيمة في السوق. و المفضل عند المطبخ السوداني هو سمك الفرخ والبياض، ثم يليه البلطي النيلي والقرموط.

undefined

يعتبر صيد الأسماك من أكثر القطاعات معاناة في الاقتصاد السوداني. الصراعات التي يواجهها الصيادون تتضمن: معدات صيد باهظة الثمن، وساعات عمل طويلة جدا، بالإضافة إلى أحدثها وهو فيروس كوفيد-19. فالاغلاق الناجم عن الوباء ألقى بظلاله على الصيادين؛ وبموجب التضخم الاقتصادي الغير المستقر و المستمر على فترات طويلة حيث ينتج عن ذلك استمرار السوق في فقدان عملائه و أعماله بمرور الوقت. وبسبب عدم القدرة على تخزين الأسماك بطريقة مناسبة لفترات طويلة من الزمن، أضحت النتيجة انهيارًا حادًا في أسعار الأسماك؛ الأمر الذي جعل الصيادين بالكاد يكسبون قوتهم. مع ذلك ، استمر هؤلاء الرجال في فعل ما يجيدون فعله، مثقلين بعدم القدرة على تغيير الظروف. فهم ينتظرون بصبر مستقبلًا أفضل قد يأتي به يوم جديد.

undefined

في الختام، هناك حوجة ماسة إلى خطة استراتيجية وتنفيذ سريع من قبل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني؛ للمساعدة على تحسين نمو قطاع الأسماك. يجب أن لا يكون التركيز فقط على الجانب التجاري للأشياء، بل أيضًا على الظروف الصعبة للصيادين، حيث يجب أن ترقى السلامة والاستدامة البيئية لمستوى مكان العمل. وفي تلك الحالة، سيكون العائد هائلاً على الاقتصاد. حيث سيرتفع عائد الصادرات، مما يجعل تأمين الوقود المدعوم ممكناً، ومعدات السلامة والصيد المتقدمة، والتدريب الفني للصيادين، البائعين، المطاعم، والشركات على حد سواء لتدعيم الإنتاج وحفظ المنتجات السمكية.

undefined

الصور بواسطة الكاتب.


حسن كامل

حسن كامل مصور وثائقي ومخرج سينمائي مقيم في الخرطوم - السودان. حسن راوي قصص مهتم بالثقافة والتاريخ والحياة اليومية، و يحب إنتاج صور ملونة وحيوية. إلى جانب العمل كمستقل، ينشئ حسن مشاريع ذات اهتمامات شخصية أثناء السفر والتعاون مع الآخرين لإنتاج قصص ملهمة.