هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

في كتابه "العاقل: تاريخ مختصر للبشرية" الذي يبحث فيه التطور العلمي، يقدم الكاتب المشهور يوفال نوح هراري وجهة نظر قوية حول اتساع الطبقات الاجتماعية. يقول أن الخوف من النجاسة، هو في الأصل من مفاهيم النقاء وعدم نقاء الإنسان، استغلها الأشخاص النافذين في المجتمعات المختلفة الذين كانوا ضد مشاركة الموارد. كاشفين عن نواياهم الأنانية، ووجدوا وسائل مبتكرة لتبرير تعصبهم ضد الآخرين. والمحافظة على النفوذ والامتيازات. ويجادل المؤرخ يوفال بشأن شروط الاستحقاق ونقيضها التي تشكل بذور الخوف، الكراهية وحرمان المجموعات المهمشة لآلاف السنين.

undefined

Image by Sumy Sadurni for AFP via ifex.org 

فكرة الأجسام المؤذية أو الفيروسات في الوقت الحالي، وانتشارها غير المحدود شيء مخيف، وهي أكثر رعباً خلال جائحة الكورونا. وكما مررنا جميعاً بالتجربة، فمع الخوف يأتي القلق، والهلع، وفقدان الأمل وفي أحيان أخرى هفوات في الحكم. في أبريل عندما بدأت أوغندا في تسجيل إصابات سائقي شاحنات البضائع عبر الحدود كحالات اليومية، اندلعت حملة في موقع التواصل الاجتماعي تويتر بنداء #اوقفوا_سائقي_الشاحنات. وكانت النقاشات على الوسم حول منع سائقي الشاحنات من الدخول للتغلب على الفيروس. وربما هناك حقيقة في ذلك، حتى ولو حدسية.

إذا كانت الحالات المسجلة ترتفع من رقم مزدوج خلال أسبوعين إلى سلسلة من الاختبارات الإيجابية لمدة أسبوعين كلها ​​من مجموعة واحدة من الناس، فبالطبع ستتعالى الأصوات "أنهم يحضرون لنا كورونا" ، أليس كذلك؟ ناهيك عن أنه عندما يصاب بلد مثل بلدنا بنظام صحي غير مثالي بإنفلونزا قاتلة تسببت في معاناة البلدان المتقدمة فإن الذعر أمر لا مفر منه. أوقف الرئيس حملة تويتر في مساراتها و حذر في خطاب لاحق من أن وقف حركة البضائع قرار "انتحاري" (بالنسبة للاقتصاد) وأن الدعوات لوقف السائقين "غطت المعرفة بالغضب". كل من المشاركين في الحملة والرئيس لم يلقوا بالاً على الجانب الإنساني لهؤلاء العمال. كما أن مع حالة التمييز ضدهم إلقاء لوم بطريقة غير متناسبة على الأشخاص الأكثر عجزاً على الفعل. فبنفس طريقة أن الكورونا ليس "فيروساً صينياً" فإن سائقي الشاحنات لم "ينقلوا" الفيروس. في الواقع، إذا كان هناك جدل بذلك، فيجب أن نتعمق في أحداث الأشهر الماضية، لنصل إلى استنتاج مفاده أنه الناقل هو مسافر قادم من دبي بالإمارات العربية المتحدة. حتى ذلك الحين لن نقول على وجه اليقين ما لم يتم اجراء فحص لكافة السكان للعثور على المريض الأول و بالطبع سيكون صعباً تحديد ذلك. الأهم من ذلك، هو الدافع الأخلاقي لحماية المرضى، وألا يعاقبوا أو يستغلوا. المصابون بفيروس كورونا ليسوا حاملين حقودين لهذه القنبلة الفيروسية، ولا هم مجرد وسيلة للمحافظة على انتعاش الاقتصاد.

يعرف كل شخص استقل الباص في رحلة لمدة 12 ساعة مقدار تعب الرحلة وتأثيره على الجسد. هذا الارهاق يتضاعف اذا كان عليك قيادة شاحنة لمسافة طويلة. وبالنسبة للاجراءات، فإن السائقون يتوقفون لتناول الطعام، والراحة في فنادق على طريق السفر. لكن هذا الخيار لم يعد متاحاً مع إغلاق أغلب النزل وأماكن الطعام في الوقت الحالي بسبب جائحة الكورونا وحظر التجوال. كان السائقون ينامون في شاحناتهم و لم توجد خيارات مطاعم بديلة، لذلك كانوا يتوقفون في القرى لتناول الطعام. ستتفقون على أن وجبة طعام وسرير، بغض النظر عن احتمال الخطر على البلد، أفضل من النوم على مقعد مائل في شاحنة. فلماذا لا يتخذ أحد السائقين المنهكين هذا الخيار، ونحن تعلمنا بأنفسنا بعد الحظر أننا نختار وسائل الراحة. نتجول في الشوارع بالكمامات على أسفل وجوهنا مما ينشر المخاطر. لذا، في حالة مخالطة سائق شاحنة مصاب بفيروس كورونا لعدد من الناس في المدن الحدودية، فسيكون ذلك بسبب الاستخفاف بالإرشادات. كما أنه، على عكس الكثير منا الذين يرفضون ارتداء الكمامات، فمخالطة سائقي الشاحنات هي للبقاء على قيد الحياة بعد الحرمان من أبسط الاحتياجات - الغذاء والراحة. ناهيك من أن جزءًا كبيرًا من الأخطاء يقع على عاتق السلطات الصحية التي لم تختبر سائقي الشاحنات قبل الرحلة.

undefined

Trucks on the Kenya-Uganda border, image via fes.de 

كتب المواطنين المذعورين على هاشتاق #اوقفوا_سائقي_الشاحنات في تويتر، وكان الكلام مليئ بالسباب، واللوم والوصمة. "سوف يقتلوننا". "لماذا لا ندعهم في الجانب الآخر حتى نأمن من نقلهم الكورونا؟" والمحررون في الوسائط الإعلامية شاركوا الحملة بالعناوين: "سائقي الشاحنات ينقلون مزيداً من الإصابات إلى أوغندا" و " سائقي الشاحنات، يعيقون محاربة الكورونا". تم بث إعلان تلفزيوني برعاية الوزارة يضم عاملة جنسية مشهورة، تحذر الشابات عن الاقتراب من سائقي الشاحنات. في أماكن أخرى، يذهب موظفو الوزارة إلى المسافرين القادمين من البلاد التي ينتشر فيها المرض، ليجروا لهم الفحوصات في منازلهم المريحة حيث يعزلون أنفسهم.

من خلال الأفعال والكلمات التي تبدو غير ضارة ، قمنا بالتمييز الجماعي ضد مجموعة من الأشخاص الذين يستحقون الأمان من هذا الوباء الوحشي. الآن ، قد يستمر السرد أن سائقي الشاحنات عبر الحدود هم حاملي الفيروسات. في حالة حدوث ذلك، فسيتم اعتبارهم منبوذين اجتماعيًا لفترة طويلة، وبغض النظر عن النتيجة، فإن أفعالنا تنبع مما وصفه هراري على نحو ملائم بأنه "خوف من التلوث".


إدنا نينسيما

إدنا نينسيما كاتبة نسوية أوغندية تعمل في مجال الاعلام و التواصل وهي وناقدة اجتماعية بخبرة خمس سنوات تتمحور حول تحرير المرأة ووضع السياسات للشباب والصحة الإنجابية الجنسية وعدم تجريم الأقليات الجنسية. تنشر على مدونتها beingedna.com وشاركت في تأسيس منشور نسائي على شبكة الإنترنت بإسمlakwena.org . تساهم إدنا في جريدة الديلي مونيتور في أوغندا وقصتها القصيرة "العثور على الحرية" نشرت في كتاب Odokonyero