هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

السياسات التعليمية في السودان تغيرت بشكل كبير منذ مجيء حكومة الجبهة الإسلامية سنة 1989م  أو ما يعرف بثورة الإنقاذ الوطني. سياسة التعليم العالي التي أفرزتها برامج الإنقاذ و التي تهدف لإنشاء أكبر عدد من الجامعات و المعاهد الأهلية بالتوازي مع إنخفاض الإنفاق الحكومي على المؤسسات التعليمية الحكومية أدى بدوره لخلق منافسة غير عادلة على مستوى دخول الجامعات. تم أيضاً في ظل هذه السياسات تغيير المقررات الدراسية و تغيير شكل السلم التعليمي، الأمر الذي أدى إلى فجوة أخرى كبيرة بين التحصيل العلمي و الإستفادة من نتيجة هذا التحصيل فتجد الخريج من المدرسة أو الجامعة على حد سواء يمتلك العديد من المعلومات عن طبيعة مجال دراسته لكنه في سوق العمل متأخر بمئات الأميال عن أقرانه في الدول العربية أو العالمية. كما يعاني الخريج أيضاً من عدم إمتلاك المعلومة الجديدة بسبب عدم تجدد المناهج لمواكبة التطور. هناك أيضا الأمية التقنية عند معظم أفراد الجامعات السودانية بالإضافة للعقوبات الأمريكية التي تؤثر بطريقة أو بأخرى مع طلاب العلم و المبدعين في السودان.

ما دفعني لكتابة هذا المقال هي تلك الآثار المترتبة على هذه القرارات التي ظلت الحكومة تفعلها على الدوام في تحدي واضح لمسؤولياتها تجاه قضية التعليم التي تعد حيوية بالإضافة للصحة. إن ترك الحبل على الغارب لن يجدي نفعاً مع أولوية قصوى مثل التعليم. أنا هنا لا أستطيع تحميل المسؤولية سوى للحكومة التي عجزت عن دفع مرتبات مجزية للمعلمين للأكتفاء بالبقاء في كنفها و لا هيأت الإجلاس المناسب للطلبة حتى يهرب أولياء الأمور من ذوي الطبقة الوسطى التي كانت تعتمد على المدارس و المستشفيات الحكومية حتى تظل في مكانها، فأصبح المجتمع عبارة عن طبقتين بسبب الرسوم العالية الممارسة من قبل الحكومة و القطاع الخاص كل على حدى.

إن الميزانية العامة تخصص جزء لا يتعدى ال %3 للتعليم حسب موازنة العام 2015 التي كانت عبارة عن 59 مليار جنيه سوداني مخصص فقط 1.1 مليار للتعليم و تهيئة البيئة التعليمية. هذه النسبة لدولة مثل السودان، تعاني من الأمية و الفقر على حد سواء، هو جريمة بحق و حقيقة الهدف منها إحكام السيطرة على هذا الشعب الذي يضطر معظمه لإخراج أبناءه من المدارس نتيجة العجز عن سداد رسوم المدارس الحكومية أو حتى يتمكن الأطفال من العمل و المساهمة في سد لقمة العيش.  إني هنا لا أجد أي إهتمام أو حتى سعي حقيقي و جاد من الحكومة لعلاج هذه المشكلة فالهرب المستمر للأساتذة لكنف المؤسسات الخاصة مبرر نتيجة غلاء المعيشة و المرتبات الضعيفة و عدم تحسين البيئة المدرسية. كما تشير نفس الموازنة الموجودة في الرابط أعلاه أن من مجمل الأجور يبلغ 18 مليار جنيه (يحصل الأمن و الشرطة و الجيش على 62% منها) فلك أن تتخيل كم يبلغ دخل الأستاذ في المؤسسة الحكومية مع تشاركه مع كل الفئات الأخرى في 38% فقط ! 

undefined

Image credit: Sudaneseonline.com


الحد الأدنى للأجور هو 400 جنيه سوداني أي ما يعادل 25 دولار بسعر السوق الموازي الذي هو السعر الرسمي بالنسبة للشعب السوداني طالما أنه لا يجد دولار لكي يعينه في الصناعة و الزراعة. أي أن دخل الفرد في اليوم أقل من دولار، و قد إعترف البرلمان بأن هذا المبلغ لن يكفي حتى 20% من إحتياجات المواطن السوداني الضرورية.

 و حتى مع إنخفاض أسعار النفط العالمية و فقدانه لأكثر من 70% من قيمته في عام 2014 تجد أنه في موازنة 2015 قد زاد الدعم على السلع الأساسية التي من ضمنها الوقود و القمح. و قد شهدت موازنة العام 2017 تصريح لوزير المالية أنه سيتم الرفع الكامل عن دعم السلع و هو ضمن سلسلة شروط وضعها البنك الدولي من أجل القروض، و أيضا إجراء التقشف على الصرف الحكومي.  كان الرفع قد تم في مرحلتين الأولى في عام 2011 و الثانية كانت في سبتمبر عام 2013 و نجم عنهما عدة مظاهرات متفرقة و سقوط أكثر من 200 شهيد و المئات من المصابين نتيجة المظاهرات و المواجهات مع قوات الأمن. نتيجة إتفاقيات السلام الشامل التي أوقفت أطول حرب أهلية في القارة الإفريقية التي إستمرت زهاء الواحد و عشرين سنة، إنتعش الاقتصاد السوداني ككل و إستقر سعر الدولار الأمريكي عند إثنين جنيه سوداني و لكن لم يستثمر هذا في تطوير البنية التحتية في منطقة الجنوب مما أدى إلى إنفصال الجنوب كنتيجة حتمية لغياب التنمية عن إنسان الجنوب. و أيضاً بطبيعة الحال لم تشهد البنية التحتية للتعليم أي تطوير يذكر بل زاد الطين بلة مع إختفاء البترول الذي كان يدعم الموازنة العامة ب 44% من القيمة الكلية حسب موازنة العام 2006 و كانت حصة التعليم مقدرة ب 12 مليار جنيه مقارنة مع 1.1 مليار بالعام 2014.

في الجزء القادم من السلسلة سأتحدث عن مقدرة الطالب السوداني في مواكبة سوق العمل مع هذه السياسات التي تنتهجها الحكومة تجاه قضية التعليم.