هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

ولد دُودريدج بوسينجي في مقاطعة إباندا بالجزء الغربي لأوغندا. وهو واحد من الفنانين الشبان ومن أكثرهم تعليماً وتركيزاً في بلاده. يصف بوسينجي شخصيته بالهادئة، وهو مدرك للبيئة من حوله. سترى شخص إنطوائي حين تلتقيه لأول مرة، واستخراج كلمة منه صعب للغاية كأن تطلب من ساحرة زيارة كنسية. و لكن بسبب معرفتي به لبضع سنوات، فمن اليسير بالنسبة لي قضاء ساعة على الأقل في التحدث إليه. التقيته لأول مرة قبل 9 سنوات خلال إجازة السنة الثانوية السادسة، حيث عملنا في تقديم العروض سوياً عندما كان هو وأخته جوان بوسينجي يعملان لادخار المال لحياتهما الجامعية التي كانا على أعتاب دخولها. في ذلك الوقت كان بوسينجي يرسم اللوحات ويبيعها. تخرج بوسينجي في 2015 حاملاً درجة البكالوريوس في الفن والتصميم الصناعي من جامعة كيمبوقو، وأيضاً نال درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة ماكيريري في 2019. درس بوسينجي في الحرم الرئيسي لمدرسة سيتا العليا للمستويين المبتدئ و الثانوي.

undefined

دُودريدج بوسينجي في مرسمه بكمبالا

يقول بوسينجي أنه كطفل لعب بالطين كأي طفل آخر لكنه رغم ذلك كان يرسم بإلهام من والده وأخيه الأكبر، حيث كانا يرسمان الكرتون ليبقيانه في المنزل. أخبرني بوسينجي "أعتاد أبي رسمنا بطريقة كرتونية كطريقة لتوثيق صلتنا كأخوة وأخوات، الأولاد كانوا قططاً والفتيات فئران. فكان يرسمنا كطريقة لمعاقبتنا عند فعلنا لشيء خطأ، ولم يضربنا مطلقاً. وكان أخي الراحل يرسم ويعلق بعض اللوحات من المدرسة على جدار المنزل، فألهمني وحاولت فعل نفس الشيء". يصف بوسينجي رسمه بالفن التصويري فيقول "دائماً ما أركز على الفكرة، وبمجرد تصور الفكرة أشرع في تخيل الطريقة المثلى لتوصيل الفكرة. أرسم، أنحت و أنفذ التركيبات". يصنع بوسينجي الفيديوهات، و المجسمات وأنواع أخرى من التركيبات، وكرس بوسينجي جزء من رسمه لمناصرة نضال النساء.

حتى بمثل هذه الموهبة فوالد بوسينجي المحامي دائماً ما تخيل كل أطفاله في قاعة المحكمة يمارسون المحاماة مثله. لذا ككل الأطفال وعندما كان يسأل عن خططه المستقبلية، كان بوسينجي يجيب دائماُ أنه أراد أن يكون محامياً. ويضيف بوسينجي " سعيتُ إلى الكثير من الأشياء، لكن الفن كان يناديني. أردت أن أكون مهندس طيران لأن والد صديقي كان أحدهم، كنت جيداً جداً في الرياضيات في المدرسة الإعدادية ودائماً ما فكرت أنه حيثما سينتهي بي المطاف". وعلى الرغم من أدائه الممتاز في مواد العلوم في المستويات الأولى للمدرسة العليا فإن بوسينجي التحق بقسم الفنون في التعليم الثانوي ليستطيع دراسة القانون، كما فضل والده. لكن برغم ذلك وكتصاريف القدر، قدمت لبوسينجي فرصة لدراسة بكالوريوس الفنون الجميلة وكورس التصميم الصناعي في جامعة كيمبوقو برعاية حكومية، وليس القانون الذي كان خياره الأول. وبينما كان والده على استعداد ليدفع تكاليف دراسة المحاماة، قرر دُودريدج الاستقرار حيث شغفه؛ الفن.

كان قلبه مطمئناً عندما سمع أن كيمبوقو قدمت له منحة الفنون الجميلة ويقول برغم أنها لم تكن رغبة والده لكنه كان داعماً جداً. وقد وعده بإيجاد وظيفة له في واحدة من المؤسسات القانونية - حيث توجد كل معارفه - بعد انهائه الجامعة. لكن رغم ذلك أكد بوسينجي أنه بعد نقاشه مع والده، فإن الأخير توصل لدعم "نداء الفن" والذي لا يعلم ماهيته بالضبط. يتذكر بوسينجي " كان علي خوض نقاش مع والدي وعرض وجهة نظري. وعندما جلسنا لنتحدث، أخبرني بأن الطريقة الوحيدة لكي يجد لي عملاً بعد الإنتهاء من الجامعة هي أن أصبح محامياً كإخوتي. لكنني أخبرته أن الفن هو ما أعشقه".

في سنته الجامعية الأولى، كان دُودريدج يرسم ويبيع لوحاته الفنية. يقول عن تلك الفترة "كنتُ أبيع الرسومات منذ السنة الأولى. الطلاب، خاصة الفتيات يأتون إلى لرسم هدايا من أجل أصدقائهم وأمهاتهم. كنتُ أرسم الإسكيتشات وكروت الهدايا وأبيعهم مقابل 2000 شيلينغ أوغندي بينما يصل سعر لوحة متقنة الرسم حتى 5000 شيلينغ. رسمتُ أول لوحة لمنظر طبيعي وبعتها لأحد الفنادق خلال إجازة السنة السادسة. كان حدثاً مثيراً، يمكنني القول أن الفن وقتها أصبح جزءاً من حياتي".

برغم الحصول على الرعاية الحكومية، فإن رسوم الدراسة فقط هي التي غطتها المنحة. وعانى دُودريدج من شراء مستلزمات الفصول الدراسية. قال لي " كوني منتسباً لمنحة حكومية لا يعني أنني أمتلكت كل شيء، لأنهم غالباً يدعمون رسوم الدراسة، لكن الجزء الأكثر أهمية هو مستلزمات ومواد الرسم. كان والداي يرسلان لي المال طوال فترة الدراسة، لكن كان يجب علي مساعدة نفسي أيضاً، لذا كنت أرسم لإدخار بعض النقود. عندما بعت أول لوحة منظر طبيعي بمبلغ 150,000 شيلينغ في إجازة السنة السادسة، استمرَرْتُ في رسم البورتريهات". يقول بوسينجي أنه حتى الآن يرسم استجابة للطلبات التي تصله قبل إكتشاف دور فنه في المجتمع، ملاحظاً: "أدركت حب الناس للبورتريهات، لذا كنت أعرضها عليهم قائلاً ببساطة: أنا فنان ويمكنني رسمك، و بهذه الطريقة كنت أحصل على العمل". في سنته الجامعية الأخيرة، أقام بوسينجي وأصدقائه معرضاً في فندق محلي في كيريكا، أملين جذب مُوَظِفين محتملين. يقول لي "رغبتُ في قيام المشروع بإطلاق مسيرتي الفنية، لم أتمنى أبداً أن يكون لي رب عمل، لذا سعيت إلى العمل مقابل أجر، و لكن لم أرغب في الرد على أي يكن. لذا فكرت ربما هذا المعرض سيطلق بداية مسيرتي المهنية، لكنه لم يفعل. لكن مشاركتي في المهرجانات الفنية استمرت، كمهرجان لابا للفنون في 2015 والسنة التي بعدها. وتمت ملاحظتي من قبل بعض الفاعلين الفنيين، كما شاركت أيضاً ضمن مهرجان فن الشارع في 2014. وبدأ الناس في اختيار بعض أعمالي وعرضها في عدد من السفارات وأماكن مهمة أخرى. كان ذلك خلال فترة نهاية دراستي الجامعية". وأشار إلى أنه بعد تقدمه ليكون جزءاً من هذه المهرجانات، فإنهم تواصلوا معه ووفروا قدر من المال لشراء مواد الرسم ومساعدته. كانت هذه منصته الأكبر ولم يقم أبداً بطرق أبواب صالات العرض طالباً المساعدة. كما نافس بوسينجي في تحدي سادولين مابآرتي في عام 2016 وفاز بلوحته المعنونة "انعكاس كمبالا".

undefined

لوحة بوسينجي "انعكاس كمبالا"، الفائزة بتحدي مابآرتي.

عبر السنوات، شارك بوسينجي في مناصرة حقوق المرأة. في 2016 رسم لوحة لصالح حملة "شيء ما من أجل شيء ما" والتي استهدفت مخاطبة الرجال كبار السن ضد استغلال الفتيات الصغيرات جنسياً مقابل النقود. اشتهرت الحملة في كل من الإعلام الرقمي و الرسمي بمناصرة من وزراة الصحة وشركائها، خاصة الذين يقاتلون ضد مرض الإيدز. و حثت الحملة على عدم استخدام المال والهدايا الأخرى من قبل الرجال الراشدين لإغواء الفتيات الصغيرات بممارسة الجنس وإصابتهم بهذا المرض المميت. أخبرني بوسينجي أن إيجاد هدف لفنه جعله يدرك أنه بحاجة لخدمة المجتمع وإبقاء متابعيه متيقظين – خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي –باستخدام أفضل الطرق التي يعرفها من خلال الفن.

خلال نفس الفترة، اطلقت حملة أخرى تشجع النساء الشابات للمدافعة عن خياراتهنْ تحت شعار "إجابتي بلا، تعني رفضي". ناصرت هذه الحملة حق النساء في رفض أي هدية، عرض زواج وأي شيء لم يشعرنْ بالراحة لفعله وأنه يجب على المجتمع إحترام هذا، خاصة الناس من الجنس الآخر. وأخبرني " هذه اللوحة بالتحديد استلهمتها من صديقتي، والتي في طريق عودتها من الجامعة عرض عليها رجل غريب توصيلة وأجابت ب "لا"، برغم سيرها مسافة بعيدة وعدد من الأميال التي كان عليها قطعها، لكنها إلتزمت بالرفض لخوفها من أن تتعرض للإغتصاب أو ربما حتى القتل من قبل هذا الغريب". بعض الرجال منا يعتقدون أن قبول المرأة هدية منك يمثل موافقتها على النوم معك، لكن ذلك ليس صحيحاً. رغبت في جعل أخواتي وصديقاتي يعرفنّْ أن بعضنا يفهمونهنْ ويدعمونهنْ.

undefined

لوحة بوسينجي ، رسم يوضح إمرأة تمشي لأميال، بعد رفضها توصيلة من شخص غريب.

يقول بوسينجي أنه خلال التحضير لمعرضه الأول قام برسم لوحة جميلة لدعم النساء العاملات، خاصة في عالم الشركات. حيث يرى أن على الواحدة منهن المشي مرتدية الكعب العالي يومياً، لإرضاء المدير، إتمام الصفقات ومن ثم العودة إلى المنزل والإعتناء بالعائلة. و يقارن نشاط المرأة الكبير هذا بالمشي على المسامير، ويأمل بوسينجي أن يلهم مثل هذا الفن النساء للاستمرار وعدم التوقف من أجل أي شخص أو أي شيء بسبب كونهنْ نساء.

undefined

لوحة بوسينجي "غرفة النوم الرئيسية" والتي استحق عليها 1500 دولار.

تعاون بوسينجي مع عدد من الفنانين من ضمنهم الكوميدية الأوغندية المشهورة آن كنسيمي، إيدي كينزو؛ أحد أكبر الموسيقيين الأوغنديين، والمغنية المحلية ليديا جازمين من ضمن آخرين، وذلك لصالح مشروع "فن الجسد". يستفيد بوسينجي من كل الوقت لديه للعمل على الرسم، و يقول أن لديه لحظة خاصة يعتز بها دوماً، وهي في اليوم الذي باع فيه أغلى لوحاته "غرفة النوم الرئيسية" مقابل 1500 دولار في العام 2018. يتذكر تلك اللحظة فيقول" حددتُ المبلغ لأن اللوحة ذات صلة بالشخص الذي أراد شرائها . وبعد هذه العملية بتُ أرسم بورتريهات بمبالغ مشابهة". وعند سؤاله عن تأثير فيروس كورونا على معرضه المخطط له هذا العام، أخبرني بوسينجي أنه لا يعلم بالضبط ما سيحدث "ما زلت لستُ متأكداً، فلقد أعتزمت إقامة المعرض بين أغسطس ونوفمبر. لكن إذا تعدى الحظر شهر يونيو فينبغي عليّ تأجيله".

يمكنكم متابعة دُودريدج بوسينجي على تويتر وإلقاء نظرة على أعماله بموقعه الإلكتروني.
 


سارة بريومومايشو

سارة صحفية أوغندية و تسجيل صوت و مديرة إعلام اجتماعي، كما تعد من المدونات المؤثرات. عملت سارة مع 4 محطات إذاعية رئيسية كمحررة و مذيعة أخبار إنجليزية لمدة 8 سنوات. وهي حالياً مراسلة ومحررة أخبار في هوت شوت للإعلام والإنتاج في كمبالا. هي حاليا أيضا المدير الإداري لأندريا في أوغندا.