هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

انتقالا من حال سفك الدماء والمقاومة الجسورة في ثورة 2018-2019، مرورا بهموم و مخاوف جائحة كوفيد-19؛ التي ولدّت انغلاقا تاما عن بقية العالم وأحدثت تباطؤاً كبيراً في سوق العمل و الاقتصاد. كان النيل آخر تلك التحديات الصعبة التي أضحت تدق ناقوس خطر على السودان؛ حتى أصبح مرة أخرى فريسة لمخالبه المائعة.

خلال الشهر الماضي جعل هطول الأمطار، هبوب العواصف الرملية، و نفحات الرياح الباردة، ما علّم لنهاية الصيف، وبداية الخريف، لكن هذه المرّة الأمر كان مختلفا. فقد هوجمت بعض من الأراضي السودانية بسيول مفاجئة. وقد أستفحل الأمر اعلان السلطات السودانية لحالة طوارئ عامة بالبلاد مدتها ثلاثة أشهر؛ وذلك من بعد ارتفاع شديد لمنسوب مياه النيل بموجب الأمطار الشديدة. تسببت الفيضانات في مقتل حوالي 100 شخص وألحقت أضرارا بنسبة ساحقة تقدر ب 100,000 منزل منذ يوليو من العام الجاري.

"يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم الكوارث المناخية مثل الفيضانات بسبب زيادة الظواهر الجوية المتطرفة. لقد حذرنا العلم من أن مثل هذه السيناريوهات (الفيضانات) ستصبح قريبًا واقعنا الجديد ، "نجم الدين قطبي الحسن ، باحث أول في المجلس الأعلى للبيئة. والموارد الطبيعية في السودان.

أدى الفيضان الناجم عن هطول الأمطار الموسمية الغزيرة في المناطق المجاورة ، إلى ارتفاع نهر النيل إلى 17.5 مترًا - وهو أعلى مستوى منذ 100 عام. في السادس من سبتمبر، كان قياس النيل الأزرق 17.62 مترًا ، أي أعلى بنصف متر من الرقم القياسي سيئ السمعة عام 1948 والذي كان يعتبر صادمًا في ذلك الوقت. لم تكن جزيرة توتي استثناءً لهذا الوضع الذي بدأ منذ بداية شهر أغسطس الجاري. كان على أندريا التواصل مع أحد ضحايا جزيرة توتي والتحدث عما عاناه في الأسابيع القليلة الماضية. ومن الوهلة الأولى، كان من الواضح أنه على مدى الأيام، ازداد النيل في الحجم والقوة.

الأسبوع الأول من أغسطس: لم يحدث شيء غير مألوف

"لم نتوقع هذا اطلاقا"، يقول خضر بشير البالغ من العمر 22 عاما، وقد ظهر اليأس في عيونه فهو لم ير شيئاُ كهذا يحدث في توتي من قبل. جزيرة توتي هي واحدة من أكثر المناطق تضررا من الفيضانات. ففي حقيقة الأمر أن الجزيرة تقع في وسط نهر النيل الشاسع، حيث يتقاطع النيلان الأزرق والأبيض، وهي تعتبر من أولى المناطق التي تعرضت للفيضان في الخرطوم.

undefined

 سكان جزيرة توتي يبنون ويضعون حواجز أمام النهر. المصدر: خضر حسن

واصل خضر موضحاً كيف كان هو وآخرون من الجزيرة يفحصون بانتظام مستويات المد والجزر. أضاف "منذ منتصف أغسطس ، ونحن نراقب المياه في جميع أنحاء الجزيرة. كنا نظن أن الحال سيكون مثل الأعوام السوابق، فلم نقلق كثيرًا بشأن ذلك. من الطبيعي أن يرتفع منسوب النهر خلال فصل الخريف، و ذلك لأنه يتم تغذية النيل من ولايات أخرى حيث تهطل الأمطار. ما نقوم به عادة هو محاولة انقاذ أعمالنا الزراعية ونقل ماشيتنا للرعي في نقطة أقرب من منتصف الجزيرة. نفوم بدعّم المتاريس أمام التيارات العالية للنهر على كافة سواحل الجزيرة، للاحتراز في حال وجود تجاوزغير طبيعي للمنسوب".

لكن لم يجري الأمر كما هو متوقع.

استمرت مناسيب المياه في الارتفاع بشكل سريع في غضون ساعات. بعد عدة أيام أخرى، كسر النيل الحواجز على الجانب الشرقي من الجزيرة. كان مرتفعًا جدًا ومتسارعًا، بحيث كان الماء متوجهاً نحو المنازل على ذاك الجانب.

منتصف أغسطس: تحول غير متوقع لمجرى الأحداث

undefined

 سكان جزيرة توتي يشكلون حاجزًا بشريًا من خلال إمساك أيديهم وتثبيت ظهورهم معًا، محاولة لإبطاء تيارات الفيضان. مصدر الصورة: خضر حسن

كان اندفاع الفيضانات غير متوقع وسريع للغاية، وألحق أضرارًا بمعظم المنازل على الجانب الشرقي من توتي. خرجت النساء والأطفال وكبار السن إلى الشوارع حاملين كل ما بحوزتهم من أشياء ثمينة، ولم يرغبوا في المخاطرة بالبقاء داخل منازلهم بينما تنهار أسطحها فوق رؤوسهم. هرع بقية رجال توتي على الفور إلى الساحل، معتقدين أنهم قد يفعلون شيئًا لوقف التيار. لكن سرعة المياه التي اصطدمت بالحواجز قد تمكنت من حفر فجوات كبيرة عبر الصخور وأكياس الرمل ولحاء الخشب، فكان مشهدًا مفيضا. وعلى ذلك، لم يجد الناس حولهم شيئاً ما يمكن اقامته أو وضعه لمنع الفيضانات أكثر.لم يستطع خضر وبقية الرجال الوقوف هناك ومشاهدة أحيائهم تغرق وأحبائهم يغرقون. ولذلك قرروا إقامة و تشكيل عدة صفوف من المتاريس البشرية أثناء انتظار وصول الدعم الحكومي.

سبتمبر: ضرر حقيقي، لكن يوجد أمل

لسوء الحظ ، لم تكن هذه نهاية الأمر. فقط عندما اعتقدنا أن الأمور تحت السيطرة، اندلعت الفيضانات على الجانب الغربي من الجزيرة أيضًا. وقد غطت المياه بالكامل مساحات كبيرة من المزارع على مد البصر، وغرقت الحيوانات بما في ذلك الأبقار والماشية الأخرى. حتى أن بعضهم دُفع بعيدًا عن الجزيرة. كل شيء اختفى تحت الماء. يبدو الأمر وكأن النيل ابتلع توتي ببطء.

بعد أيام أصبح الجانب الغربي من جزيرة توتي يشابه الأطلال الغارقة. انهارت المنازل ودمرت بالتيارات المستمرة. اضطر بعض الناس إلى الإخلاء الفوري حرصا على سلامتهم لأن الحواجز كانت تعجز شيئا فشيئا عن إيقاف الفيضان. غادر البعض إلى مواقع أكثر أمانًا على الجزيرة، وآخرون غادروا إلى حيث يعيش أقاربهم في داخل مدينة الخرطوم. يقول خضر "كنا خائفين وضائعين وعاجزين. ولكن حتى مع ظهور الجانب المعتم للأشياء، كنا أيضا أقرب كمجتمع وأكثر اتحادًا من أي وقت مضى. اعتدنا أن نكون مجتمعًا، لكننا الآن عائلة واحدة كبيرة. ما أمتلكه الآن يصبح لك، كما أساعدك أتلقى المساعدة منك أيضاً."

undefined

منذ أن بدأ الفيضان، كان سكان توتي يراقبون على مدار الساعة، ويتبادلون الورديات لأداء مهام مختلفة. تطوع البعض للمساعدة في ترتيب مقرات و مناطق آمنة للنساء والأطفال وكبار السن ، بينما تولى البعض الآخر النواحي الأمنية. شارك الرجال في مراقبة مناسيب النيل، وبناء المزيد من المتاريس وجلب المزيد من الكتل. وقام آخرون بمد يد العون ومساعدة الأشخاص الذين تضررت منازلهم من جراء الفيضانات. كان الجميع يساهم في نفس الوقت.

أعرب خضر عن امتنانه لأن عائلته وأصدقائه في أمان حيث يعيشون في شرق توتي، حيث أنها أقل تضرراً من الجانب الغربي. و يقول "أنا محظوظ لأنني أعيش في الجانب الشرقي وبيتي لايزال بعيدا-حتى اللحظة- عن الدمار الذي شاهدته في الجانب الغربي من الجزيرة. على الرغم من الوضع المقلق، فنحن لا نعرف أبدًا ما يكتبه الله لنا غداً، أنا متفائل وسأظل إيجابياً مهما حدث. غدا سيكون يوماً أفضل وسيتراجع النيل إلى حيث كان ".

كيف يمكنكم المساعدة ؟

يحتاج السودان للدعم الآن أكثر من أي وقت مضى. اذا أردتم مساعدة ضحايا الفيضان في جزيرة توتي أو مناطق أخرى من السودان، يمكنكم التبرع لمبادرة نفير التي يشير اسمها تقليدياً إلى" الفزع للمساعدة". نفير هي مبادرة سودانية غير ربحية تعمل على مساعدة المحتاجين وإدارة الأزمات. هذه المبادرة تساعد ضحايا الفيضانات من خلال توفير ملاجئ مؤقتة، وتغطية الاحتياجات الغذائية العاجلة، والتعامل مع الطوارئ الطبية الناتجة عن الكوارث.