هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

تم نشر نسخة مختلفة من هذا المقال على صحيفة الجارديان..

لعقودٍ خلت والسودانيين يتباهون بعبارة: “القاهرة تكتب، بيروت تطبع والخرطوم تقرأ” وإن كان ذلك يمثّل الواقع حينها فالأمر حالياً أبعد ما يكون عن الحقيقة. فحرية الإعلام أضحت مقيدة على نطاق الإقليم، وما تقرؤه الأجيال الشابة في الخرطوم والسودان عموماً – على قلّته – يكاد أن ينحصر على برودكاستات الواتساب والنكات المعادة. ماذا يمكن أن يُبهِج الحكومة السودانية أكثر من وجود جيل كامل ومتزايد مُغيَّب يسهل خداعه والتلاعب به؟

لفهم مسببات هذا التدهور المعرفي وعواقبه الكارثية على الواقع الإجتماعي والسياسي السوداني يجدر بنا الرجوع إلى إنقلاب 1989. فالسودان وربما دوناً عن جيرانه ظل يعاني لأزمان طويلة من الرقابة على وسائل الإعلام وعدم الإستقرار السياسي. في النصف الأول من التسعينات كانت أحزاب المعارضة السودانية – المعدمة – ومنشوراتها تتخذ من القاهرة أو لندن مقراً لها ويستحيل العثور عليها في السودان. تدريجياً فقد معظم المقيمين في السودان سُبل الحصول على إعلام مُحايد فالإعلام المحلي كان عبارة عن إعلام حكومي موّجه وبوق للنظام بصورة دعائية فجة. 

في نهاية التسعينات مكّنت ثورة الإنترنت البعض من إنشاء بعض المواقع الأساسية التي وفرت معلومات بسيطة عن السودان وبعض الأغاني والموسيقى السودانية . شكل هذا طفرة في واقع السودانيين في دول الشتات، الذين كانت وسيلتهم الوحيدة للحصول على الأغاني السودانية الحديثة تنحصر في شرائط وتسجيلات الكاسيت التي يحملها القادمون من أرض الوطن، والتي يحصلون عليها بعد حضورهم حفلات الزفاف التي يحييها أشهر الفنانين وأكثرهم مبيعاً. في مطلع الألفية ومع الثورة العالمية في مجال الإتصالات والمعلوماتية ودخول الجيل الأول من السودانيين عالم تصفّح الإنترنت، أشرقٓ فجرٌ جديد على المواقع والمنتديات السودانية، وإن كانت فقيرة نوعياً من الناحية التصميمية إلا أنها وفرت منصة كبيرة وأداة للتعبير طال إنتظارها من المعارضة السودانية.

ولكن، وبعد عقدٍ من الزمان، وبصورة متسارعة، أصبحت هذه المواقع بدورها من الوسائل البائدة لتبادل المعلومات. ففي الوقت الذي إنتقل فيه جيل الشباب من المنتديات للتدوين والتدوين المُصغَّر ظل الجيل الأكبر متخلفاً عن مسار تطور وسائل التواصل الإجتماعي. خارج الشبكة الإلكترونية كان المشهد السياسي مقتصراً على مفاوضات غير مجدية مع الحكومة بينما إستمرت الرقابة والتضييق على الصحافة والمطبوعات.

وفي ظل التنامي المستمر في عالم تبادل المعرفة وخصوصاً تبادل المعلومات الموثوق في صحتها إتسعت الهوّة بين الجيل الأكبر سناً من السودانيين – الذي ظل غير معني وغير مهتم بنشاط الشباب على الشبكة، والذي ظلّ يظن أن أغلبنا يقضي وقته على الإنترنت في مشاهدة المواقع الإباحية (وهو ما كنا نفعله فعلاً!). ولكن مع تصوير إنطلاقة شرارة الربيع العربي من صفحة على الفيسبوك أصيب الجيل الأكبر بصدمة وفضول دفعهم للمسارعة إلى الإِنْضِمام لموقع فيسبوك – أو الفيس كما يحلو لبعض السودانيين تسميته – لكن ربما لم يأتي هذا في الوقت المناسب لإحداث أي تغيير حقيقي. undefined

undefined

بعد مدة ليست بالطويلة من إنتفاضة تونس ومصر تمكن السودانيون عبر وسائل التواصل الإجتماعي من تنظيم مظاهرتين للمطالبة برحيل الديكتاتور الذي ظل جاثماً لأكثر من 20 عاماً وقتها، ومجرم الحرب المطلوب دولياً عمر البشير. التفاعل الكبير الذي شهدته هذه التظاهرات من الشباب السوداني عبر (الفيس) وتويتر، دفع الحكومة السودانية لإنشاء وتمويل وحدة الدفاع الإلكتروني – أو الدجاج الإلكتروني (المجاهدين الإلكترونيين) كما تُطلق عليها المعارضة السودانية – التي تهدف أساساً لمضايقة النشطاء على الإنترنت وتضليل متابعيهم بنشر معلومات كاذبة. للأسف، أسفرت التظاهرة الثانية عن سقوط أكثر من 200 قتيل جراء إطلاق الرصاص من قوات النظام السودانية في شوارع العاصمة و كبرى جامعاتها.

مع غياب إعلام حقيقي وجد المجاهدون الإلكترونيون الملعب أمامهم خالياً فلم يتوانوا عن تضليل وإنكار وتشويه الحقائق، مما نتج عنه أمريْن مهميْن: الأول عدم وجود إنتفاضة في السودان على مستوى تغطية الإعلام المحلي و العالمي، والثاني:أن الناشطين في الأسافير (حزب الكنبة) ثلة مرفهة منفصلة عن الواقع ينبغي أن تواصل إسترخائها على (الكنبة). 

الجيل الأكبر سناً حالياً أمام طفرة جديدة في عالم تبادل المعلومات ألا وهي الواتساب وتطبيقات الرسائل الأخرى.

لإنعدام البدائل أصبح الواتساب الآن المصدر الرئيسي للأخبار عند معظم السودانيين داخل وخارج السودان، والفضل في ذلك يعود لسهولة المشاركة التي يوفرها التطبيق بالإضافة لخاصية المشاركات الجماعية (القروبات) فكل العائلات السودانية اليوم تمتلك قروب عائلة على واتساب. سهل الوتساب ربط شريحة كبيرة من سودانيي المهجر بصور تقليعات الزفاف في السودان وآخر شائعات مشاهير المجتمع السوداني وأحدث الرسائل الصوتية المثيرة للجدل في الأوساط السودانية والتسريبات التي تثبت تورط جهات حكومية في قضايا فساد (كأننا بحاجة إلى المزيد من الإثباتات!). على الصعيد الإيجابي هذه الثورة في مشاركة المعلومات مكّنت الكثير من الكوميديين، المغنيين، الشعراء والفنانين المتخفيّين (لأسباب أمنية وايضاً لتفادي تعقيدات النشر والملكية الفكرية) من نشر أعمالهم بسهولة ودون رقيب. كما أتاحت مجال نشر جديد للكتّاب المقموعين وأصحاب الطموح من الجيل الأكبر سناً، ولكن وبلا شك لم يسلموا من هجمات قطيع الدجاج الإلكتروني.

واتساب ملأ الفراغ الكبير الذي خلّفه غياب المعلومات ووسائل الإعلام ولكن المشكلة تكمّن في الجيل الذي نشأ وتربى في كنف الإعلام التقليدي والإعلاميين التقليديين، فعندهم كل ما هو مكتوب في هيئة خبر حقيقي حتماًسيكون حقيقياً. ويشكل ذلك تحديّاً حقيقياً عندما تحاول التوضيح لوالدتك أن ذلك الخبر المنمّق أو تلك الفتوى الرصينة التي تلقتها عبر الواتساب ليست إلا أكذوبة مفبركة بالكامل.

هل سيشكّل واتساب حلقة الوصل التي طال إنتظارها بين الأجيال السودانية لإحداث أي تغيير حقيقي؟ أم سيصبح شرخاً جديداً يُضاف لجدار العلاقة بينها؟ أم سيوفر – وهو الإحتمال الأسوأ – تربة خصبة لخلق قاعدة معلومات تاريخية، دينية و سياسية مغلوطة تسمح لكتيبة الجهاد الإلكتروني بإحكام سيطرتها أكثر؟ 


خالد البيه

كاتب ورسام كاريكاتير سوداني