undefined undefined

هذا النمط مستوحى من عمل الفنانة الدكتورة إستر ماهلانغو من قبيلة نديبيلي في جنوب إفريقيا ، المصدر - The Open Notebook

كثيرًا ما انقسمت الجامعات بين الفنون و العلوم و بالرغم من وجود بعض التقاطعات البارزة التي يمكن الإشارة إليها فإن أي مجال محدد لابد أن يندرج تحت الفنون أو العلوم. من المنطقي أن نقدر كل مجال على حدى إلا أن العلوم و الفنون لا يتساويان عندما يتعلق الأمر ومساهمتها في التنمية. إذا أخذنا جائحة فيروس كورونا على سبيل المثال حيث يعمل العلماء بجهد وتفاني لإيجاد العلاج و توفير الرعاية للمصابين و الإتيان بإرشادات عن كيفية التعايش مع الوباء و النجاة منه. على الصعيد الآخر، قام الإعلام بمجهود مضنٍ للتأكد من استمرار تدفق المعلومات. بينما كان الناس في الحجر ينتظرون أن يجد العلماء طرقًا لمواجهة الفيروس، كانت الفنون تحمي الناس من الملل و لفترة مناسبة حتى بدأت الشعوب تكشف عن خططها لمواجهة الفيروس. فكروا في الأمر بهذه الطريقة، ماذا كنتم تفعلون بينما كنتم في الحجر ؟ كان معظم الناس يشاهدون الأفلام و يقرؤون الكتب و يشاهدون الأخبار على التلفاز و يستمعون إلى الموسيقى. لولا الفنون، لما كانت كل هذه التسلية. لذلك إذا أخذنا الفنون من المعادلة، هل لكم أن تتخيلوا مقدار الألم الذي يشعرون به. و إذا أخذنا العلوم كانت هذه الجائحة ستقودنا إلى الانقراض. تبحث العلوم عن العلاج بينما تحافظ الفنون على أصابنا ونحن في منازلنا.

يقول د.براين سيموجو وهو أستاذ في جامعة ماكيريري "إذا أزلنا الفنون من البيوت- في الوقت الذي ينحسر فيه الوباء- كنا سنجد الناس مكتئبة ولكنها خالية من الوباء.

 

undefined

طلاب الطب في معهد ميلدماي للصحة والعلوم

إن فهمنا لاحتياجنا للعلوم والفنون يساعد المجتمع في الفهم بأن القضية ليست أن تكون العلوم مقابل الفنون أو العكس. يؤدي ذلك المفهوم إلى تجاهل أحدهما دونًا عن الآخر. يقول د.براين سيموجو عندما سألناه عن مدى منطقية تلك الحجة. "يبدو لي بأن المقارنة تأتي من احتياجنا لفهم العلوم و الفنون اذا لم تكن هنالك فنون فإن العلوم لن تكون كما نظن بأنها عليه الآن، و العكس صحيح. بعيدًا عن هذه الثنائية فإن الاتجاه إلى إيجاد تقاطعات بينهما بات أمرًا سائدًا". في الحقيقة إن العلوم و الفنون متقاربان و يستخدمان نفس المنهج. إذا أخذنا مجالًا كالهندسة فهو يقوم على الاستنتاج مما يعني الانتقال من مشكلة كبيرة إلى أخرى صغيرة. يحصل هذا الانتقال عادة عندما نستنتج صيغة للحصول على إجابة معينة. يسري هذا الأمر على الفنون و في هذه الحالة الإعلام. حيث يجري الأمر بنفس الطريقة عند معالجة القصص من الأحداث و الوقائع.

توافق أمنية شوكت، وهي إحدى مؤسسات أندريا و تأتي من خلفية علوم البيئة و تقول أن خلفيها العلمية ساعدتها في العمل الإبداعي بطري عديدة كمثال أنه "يجب أن أكون عملية في منهج عملي و أرسم خطواتي بوضوح بحيث يمكن تتبعها و تنظيم العمل بطريقة مرجعية و حقيقة و مبنية على أبحاث واقعية".

مع التسليم بأن العلوم و الفنون مرتبطتان فإن الفرق يأتي في التطبيق. "أنتم تطبقون نفس المهارة ولكن مع اختلاف في الجوهر المعرفي" يقول د.براين سيموجو. يضيف "إن التقاطعات –بين العلوم و الفنون- مفهومة بالنسبة لي، فإذا افترضنا وجود رحلة إلى كوكب المريخ و التي ربما تستغرق سنتين. في منتصف هذه الرحلة ستكون الفنون- مثل الأفلام- ضرورية للتسلية و المتعة و للحماية من الملل القاتل".

 

undefined

المهندسين الأوغنديين في العمل ، المصدر - Studenthub

علق الرئيس موسفني في أوائل هذا العام بأن معلمي العلوم يجب أن يتقاضوا أكثر. في الحقيقة عندما ننظر عن كثب إلى هيكلة المرتبات في الأجسام الحكومية فسنجد بأن العلماء يتقاضون أكثر من الفنانين. لقد شهدت هذا النوع من التمييز عندما تقدمت أختي مع صديقتها إلى العمل في وظيفة بدوام كامل في وزارتين مختلفتين على أن تحصلا على نفس الأجر. بالرغم من ذلك فإن أختي تقاضت أجرًا أكثر من صديقتها. يبدو ذلك لأنها قد تخرجت من تخصص عملي بينما تخرجت صديقتها من مجال أدبي.

لابد أن أعترف بأن هذا الأمر مصحوب بالانحياز. من خلال حديثي إلى أحد أصدقائي ممن تفوقوا في الهندسة و القانون، فهمت واستنتجت بأن هنالك مبررًا لدفع المزيد من الأجر للعلماء و ذلك بسبب السياق الذي نعيش فيه كدولة نامية من العالم الثالث. في بلد مثل أوغندا لازلنا نقوم بمشاريع البنية التحتية و الرعاية الصحية و التي يدعمها الأطباء و المهندسون مما يعني أنه من المنطقي أن يكسب المهندسون و العلماء أجرًا أعلى و ذلك لتطوير تلك المرافق. هنالك القليل من المهندسين و الأطباء و العلماء في أوغندا و ذلك نسبة للاعتقاد الخاطئ بصعوبة الالتحاق بالمجالات العلمية. للأسف فإن النظام التعليمي جعل الأمر يبدو أكثر صعوبة. يبرر لذلك ببساطة نظرية العرض والطلب، فهناك القليل من العلماء ومع ذلك فإننا في حاجة إليهم في أوغندا خاصة مع تحديات هجرة العقول. تبدوا زيادة الأجور للعلماء –مقارنة بغيرهم- منطقية في الوقت الراهن وذلك لأننا نحتاج إلى المزيد منهم. بالرغم من ذلك فإنني أعي بأن زيادة أجور العلماء تخلق عقلية و نمطًا من التفكير بأن العلوم واعدة أكثر من الفنون.

يعلق د.براين قائلًا "في بلاد لا يفهم الناس فيها الإيداع فإن من الطبيعي أن تصبح الأموال هي الدافع الوحيد لإلهام الناس و دفعهم إلى الالتحاق بالعلوم. إن كل اختيار المادة التعليمية في الجامعات الأوغندية يقع غالًبا وفًقا لجلب المال من عدمه. إن السياسة المعنية بالأجور يجب أن تتغير كي يحظى المبدعون بالأجر مقابل أفكارهم المبتكرة و المبدعة. إن إعطاء عالم لم يقم بأي اكتشاف علمي جديد المزيد من المال لمجرد انه من نادي العلماء لن يجدي".

undefined

مهرجان الموسيقى في كوريا الجنوبية ، المصدر - Trazy

الحقيقة هي بأن هذا النظام المؤسس يفقدنا الفرصة للانتفاع و الاكتساب من الفنون و يحدد الإبداع الذي ينبغي أن يكون دافعًا أساسيًا. يعرف الإبداع بأنه ابتكار شيء أو حل وهو أمر نحتاج إليه في العلوم و الفنون. و لكن –بسبب التفكير الاستعلائي- يشعر الناس بالحاجة إلى دراسة المجالات الموجودة سلفًا لأن لها أجر عالِ و لكن الإبداع هو ما ينقلنا إلى مبتغانا وما نريد. على سبيل المثال فإن الثقافة الإبداعية في كوريا الجنوبية ساهمت بشكل كبير في اقتصاد البلاد. حيث ساهمت ثقافة البوب الكورية وفقًا لمارتين رول بحوالي 6.11 مليون دولار في عام 2014م. وفقًا لتقرير الأمم المتحدة حول تقوية الصناعات الثقافية من أجل التنمية في جمهورية كوريا للعام 2017م فإن هاليو -و هي صيحة من المواد الترفيهية ممثلة في موسيقى البوب و الدراما التلفزيونية و الأفلام- تستهلك كثيرًا في أسيا وفي كافة أنحاء العالم . على سبيل المثال انتشرت أغنية قانقانم ستايل لبي سي واي و أحدثت ضجة واسعة و سجلت رقمًا عالميًا من حيث المشاهدات التي وصلت إلى المليارات على موقع اليوتيوب. وفقًا للتقرير تعتبر هاليو جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الكوري و إن هوس المعجبين يدفعهم لشراء منتجات كورية أخرى .إن قصة نجاح كوريا جاءت قصة من "الأعلى للأسفل" ،على سبيل المثال وضعت الرئيسة بارك كون-هاي الاقتصاد القائم على الإبداع في أولوياتها عندما استلمت السلطة في العام 2013م- كما جاء في التقرير .يوضح مارتن رول و يقول" خصصت كوريا الجنوبية نفسها لتصبح قائدة المصدرين للثقافة الشعبية". لقد نما الاقتصاد الكوري بشكل مذهل. انتقلت كوريا الجنوبية من أكثر دول العالم فقرًا إلى دولة غنية جدًا وحلت في المرتبة الثانية عشر عالميًا من حيث حجم الإقتصاد. يعتبر الكي بوب - موسيقى البوب الكورية- من المصطلحات الأكثر استخدامًا في عالم الترفيه اليوم وتتصدر أغاني مثل بي تي اس و بلاك بينك الذوق العالمي. لقد استثمرت الحكومة الكورية بشكل كبير في ثقافة البوب و تحديدًا في الهاليو. بالإضافة إلى ذلك فإن الحكومة تساهم بحوالي ثلث مليار دولار كتمويل استثماري يخصص لدعم و تصدير ثقافة البوب و علاوة على ذلك تحيي الحكومة مهرجانات ثقافية لتزيد من انتشار الثقافة الشعبية الكورية.

 

undefined

المغني Psy ، المصدر - Spin

كما وضحنا سابقًا فإن العرض و الطلب يلعبان دورًا كبيرًا. الآن يزداد الطلب على العلماء في أوغندا، و في فترة تطوير البلاد صناعيًا فإن معظم العمل سيكون في قطاعات الطاقة و الطرق و الهياكل الخ. بينما تكون الفرص تنافسية على صعيدي العلوم و الفن في البلاد التي وفرت الأساسيات. وفقًا لمعادلة العرض و الطلب فإنه ينبغي علينا أن نخلق طلبًا للفن كما للعلوم . يجب بأن نستثمر في الفنانين المحليين و أن نخلق أماكن و فعاليات مخصصة للثقافة المحلية و ذلك كي نخلق طلبًا على الفنون.

توضح أمنية احدى مؤسسات مجلة أندريا "أعتقد بأننا بعدم معاملة الفنانين باحترام نفقد فرصة كبيرة. أحب السفر إلى بلاد تزدهر بالمشهد الفني، مثًلا تعتبر مصر عظيمة في الفنون و الثقافة مما يجلب الكثير من الحشود اليها. أؤمن بأن الفنون قد تصبح مربحة خاصة اذا ما اقترنت بالأبحاث و أصبحت أكثر ديناميكية". و أسهبت و أخبرتنا لماذا بدأت أندريا في المقام الأول "إن صورتنا (في السودان و إفريقيا) مشوهة و شعرت بأنه يجب أن أقوم بشيء حيال ذلك".

 

undefined

يقدم بوبي واين استعراضا في مدينة بوسابالا، المصدر - The Independent

إن الفنون و العلوم يساهمان في المجتمع ولا يمكننا التقليل بأحدهما. في حالة كوفيد-19 فان الحكومة الأوغندية شددت على أهمية العلماء وذلك عبر الأجر العالي، و على عكس كوريا الجنوبية فإن الحكومة الأوغندية لم تعطي فرصة للفنون لتثبت بأنها على قدر مساوِ من الأهمية كما للعلوم. في نهاية المطاف لا يجب بأن نختار الفنون على العلوم والعكس صحيح و ذلك لأنهما نهايتان في مدى من المعارف المتقاطعة. إن العلوم و الفنون مهمان بالتساوي و هما حيويان و ضروريان من أجل نمو المجتمع و ازدهاره و ينبغي على النظام التعليمي بأن يعكس ذلك.

هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الأنجليزية


توسيمي توتو

توسيمي توتو كاتبة ومدونة أوغندية تحب وسائل الإعلام الاجتماعية. هي أيضاً مدربة وشاعرة مهووسة بالقراءة و تستمتع ببعض من الفن و الرقص. توسيمي حاليًا منتجة محتوى رقمي في أندريا. حصلت على درجة البكالوريوس في الصحافة والاتصال من جامعة ماكيريري، و على دبلوم في القانون من مركز تطوير القانون.