كان هذا العام عاما استثنائيا على النطاق الشرق الأوسط والعالم . حيث شُهد فيه توقفا فعليا في جميع جوانب الحياة . يعيش السودان في خضم تحولات السياسية خاصة في ظل العام الثاني للحكومة الانتقالية ، فقد حدث تفاقم للأوضاع الاقتصادية والسياسية ، وهنا بالطبع يجب ذكر جائحة كورونا وأخيرا فيضان النيل الذى تسبب بكوارث عدة . من أكثر الأماكن المتضررة من فيضان النيل في السودان هي سنار و الجزيرة و الخرطوم بيما فيها أم درمان الريف الشمالي والكلاكلة.

اصبح من المعتاد, ابان وقوع الأزمات وعلى رأسها الفياضانات، أن تأتي الحلول من المواطنين ولجان المقاومة فقط.. تعرض لجان المقاومة حياتهم لخطرحقيقي لإنقاذ المواطنين من الفيضان في الأونة الأخيرة وذلك لتقصير الأداء الحكومي في خدمة المواطنين.

الفيضان في الكلاكلة

تحركت في الثاني عشر من سبتمبر مع زميلي المصور لمنطقة الكلاكلة القبة و ذلك لتغطية آثار الفيضان على المنطقة و لمعرفة أوضاع سكانهم في ظل الدمار الذى خلفه النيل. كان هول الفاجعة كبيرا, فالمنازل قد انهارت و اغرقت جميع الطرق حيث لا يمكن العبورأو القيادة فيها بسبب تدفق المياه. كما أن الحركة أصبحت بالمراكب داخل الأحياء.

undefined

أصبحت القوارب الطريقة الوحيدة للتنقل بين الأحياء أثناء الفيضانات - تصوير: حذيفة محمد علي

جلست مع أحد المتضررين وهو من أعضاء لجان الخدمات والتغيير. كان مشاركاً في مساعدة متضرري الفيضان ليسرد لي البداية الفعلية لزيادة منسوب مياه النيل: "ارتفع منسوب النيل في يوم الثالث عشر من أغسطس، وفاض إلى داخل الأحياء بسرعة بالغة حتى غمر ثلاثة منازل في ظرف ساعة." و اضاف حين وصف الحالة النفسية لسكانٍ انهار منزلهم امام أعينهم: "كنا بجانب أحد البيوت الآلية للسقوط وشرعنا في محاولة يائسة لاخراج أصحاب المنزل. ظلوا يرفضون في تعنت شديد لكننا قد تمكنا من اقناعهم واخراجهم على الفور. بدا عليهم الحزن والحسرة لتركهم منزلهم. نحن نتفهم عنادهم للخروج, حيث ليس لديهم مأوى آخر. وكانت الفاجعة عند استشهاد احد اللجان حينما تأخر في محاولة لاخراج بعض مقتنياتهم، في تلك اللحظة انهال عليه سقف المنزل، و مات في الحال. كان ذلك من أسوأ الأيام على الجميع حيث رأينا كل شىء."

undefined

أحد المنازل العديدة التي انهارت جرّاء السيول في الكلاكلة - استولى عليها حذيفة محمد علي

سالته عن كيفية تعاملهم مع هذه الزيادة السريعة للنيل, فأجاب:" كنا نتوقع هذه الزيادات، فنحن نعلم أن البيوت تقع على أراض منخفضة، لكن لم نستطع بناء المتاريس على مجرى النيل بسبب نقص الجوالات الرملية. فاتجهنا صوب احدى الجمعيات التطوعية التي سمعنا أنها تأمن تلك الجوالات . كان قد تبين فور وصولنا عن عجزهم عن تغطية منطقتنا نسبة لوعورة الطريق و كثرة المناطق المتضررة التي يجب عليهم تغطيتها. لكن تقدم الجيش لامدادنا بالتراب و الجوالات للتعبئة . قدمت أيضا بعض المنظمات و الشركات المواد التموينية، مثل شركة دال التي تعاونت مع لجان الخدمات والتنظيم و على توزيع الطعام على متن المراكب لتصل للبيوت التي يتواجد فيها عدد كبير من الناس. وأولئك الذين لم يتواجدوا في بيوتهم, نكون على دراية بمكانهم و نتمكن من الوصول اليهم أيضا ؛ فنحن جميعا أهل في هذه الأرجاء.

undefined

لم يكن هناك حواجز بما يكفي لحماية المنازل من السيول - التصوير: حذيفة محمد علي 

و أضاف: "لم يحضر الدعم الا بعد الإصرار الشديد من الأهالي و السكان ، و قد أتى بالفعل ولكن لم يصل أغلبها. تم تبليغ المباحث و بعد التحقيق ، اتضح ان احدهم قام باحتكارها و تخزينها، وقد قدرت قيمتها بحوالي مليون وثلاثمائة جنيه سوداني تقريبا. سمعنا أيضا عن دعم مادي ، لكننا لم نتلقى أي شئ حتى الآن."

لفت نظري الخيم المتواجدة في ميدان بالقرب من سوق سته في الكلاكلة القبة وعندما سألته عنها قال :"لقد قدّمت لنا الجيش هذه الخيم وعددها سبع خيم، تتسع الواحدة لأربع أشخاص فقط. لكننا بحمد الله لا نحتاج لهذه الخيم، فقد ذكرت لك أننا جميعنا من أهالي هذه المنطقة ، في حال سقوط منزل أي شخص من المنطقة – ونحن نعلم صعوبة التخلي عن منازلنا – عليه أن يتوجه مباشرة لبيت جاره. وسنستقبله في الحال. لكن هنالك من يستغل مثل هذه الظروف الإنسانية لصالحه الشخصي. يقال أن بعض الناس من سكان جنوب الحزام ومنطقة أويل, وهي أماكن ذات خدمات سيئة من قبل حدوث الفيضان قد اتخذوا من هذه الخيم ملجأ لهم."

الحلول لمواجهة الفيضان

واصلنا الحديث عن تداعيات الفيضانات ، وتحديدا عن كيفية تعاملهم مع انتشار الأمراض والأضرار بعد أن ضرب السيول للمنطقة, فأجاب: "قام الأطباء بتجهيز مستوصف صغير داخل المنطقة يصرف فيه الدواء ، وهم متواجدون هنالك بصورة دائمة".و أكمل سيف حديثه عن وضعهم ابان رجوع النيل لمجراه :"عندما ينخفض منسوب النيل، سنعمل جنبا الى جنب مع المهندسين في المنطقة لتحديد البيوت المهيأة للسكن من غيرها. وسنخوض حملات توعية نحذر فيها الناس من الرجوع للبيوت الأيلة للسقوط. في فترة سابقة, قامت المحلية بجمع معلومات عن المتضررين؛ سننظر نتيجة جمعهم هذه المعلومات لتحليل حالهم ومساعدتهم على الفور. سوف نحاول أيضا معالجة مشكلة الباعوض و الملاريا المتفشية نتيجة لتجمع المياه، من خلال تأمين الناموسيات والرّش الدوري. نحن نريد أيضا تأمين نفسنا من الفيضان و انشاء ترس خرساني، فنحن في أمس الحوجة للدعومات.

undefined

فقد العديد من السكان, ومن بينهم الأطفال, منازلهم بسبب الفيضانات - التصوير: حذيفة محمد علي 

هناك أماكن كثيرة أكثر ضررا من الكلاكلة القبة و هذه الأزمة هي في حقيقتها أزمة انسانية ، يجب على الحكومة والجيش التحرك والعمل على توفير احتياجات الناس و تخفيف الضررالناتج من الفيضان. للتعرف على أسباب زيادة مياه النيل بهذه الطريقة والتمكن من تحليل من ناحية أخرى ، يجب على العلماء وعلماء البيئة العمل معاً وانشاء دراسة علمية ً للتوصل إلى نتائج حول أسباب زيادة مياه النيل بهذه الطريقة. من خلال التحليل العلمي واستخراج النتائج ، يجب عليهم تشكيل حلول لتجنب أي تكرار لأضرار الفيضانات. على المستوى الفردي ، يجب على المواطنيين التكاتف فى ظل هذه الأزمات و فتح أبوابهم لجميع المتضررين, فمن الصعب جدا على الانسان فقدان بيته وعائلته.

ويجب علينا العمل مع لجان المقاومة و لجان الخدمات و التغيير, فهم الأن الجيش الحقيقي الذى يعمل لحماية المواطن و التخفيف عنه .

كيف يمكنكم المساعدة ؟

السودان بحاجة إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى. إذا كنت ترغب في مساعدة ضحايا الفيضانات في المسيد أو في مناطق أخرى في السودان، يمكنك التبرع لمنظمة نفير التي يشير اسمها تقليدياً إلى "الفزع للمساعدة". نفير هي مبادرة سودانية غير ربحية تعمل على مساعدة المحتاجين وإدارة الأزمات. تساعد هذه المبادرة ضحايا الفيضانات من خلال توفير ملاجئ مؤقتة وتغطية الاحتياجات الغذائية العاجلة، والتعامل مع حالات الطوارئ الطبية الناتجة عن الكوارث.

 

هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الأنجليزية


أحمد الكامل

أحمد الكامل صانع محتوى و كاتب مقالات، و مؤسس نادي الكتابة الأدبية في كلية العلوم بجامعة الخرطوم. يقدم و يعد أحمد برنامج إذاعي باسم " طلس فن" على موقع ساوند كلاود