هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة: الإنجليزية

ثلاثة قضايا. الأولى: مقدرتنا على بناء دولة، والتقدُّم كأمة نحو تخطي عقباتنا الأساسية والتحرُّر من أغلالنا. الثانية: تحدّي عدم قدرتنا التاريخية في خلق دولةٍ وبيئة مضيافتين – دولة يمكننا فيها أن نلهم العديد من الأجيال القادمة من الأمة لمعالجة قضايا أهم. و أخيراً تعزيز بيئة تقود لخلق ساحات أرحب للنماء والإبداع، قادرة على أن تُمهّد لتقدُّم ونجاح أي مجموعة محترمة من الناس.

الحجة التي أحاولُ تقديمها هنا، تتسامى الخدع السياسية قصيرة المدى التي ماهي إلا مناورات للحصول على المناصب، والأماكن التي لا تتعدى الهوامش في التاريخ عند النظر لكلية للأشياء. أحاولُ تقديم إعتقاد تم ترسيخه كموقف فكري، تغذى وترسّخ على خبرة مُقدّرة وغنية وبمساعدة خلفية أكاديمية لائقة، ساعدت في تكوين هذا الموقف مع الأمل في أن يكون في الجانب الصحيح من التاريخ.

يجدُ الشخص الإلهام في مقدرة الأمم والمجتمعات على النهوض من مواقع أقل من المثالية إلى نُظم وحكومات مزدهرة. ولكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو مقدرتها على إستخلاص القوة ضمن مجموعة من المُثُل والقضايا التي تتعاظم على ذواتهم الفردية. تلك القضايا العُظمى إستطاعت إستقطاب وتجميع الناس حولها، لأنها كانت واضحة، محددة، ومُوَّصلة ومُنفذة بشكل جيد. بالرغم من ذلك، كان عامل النجاح الأبرز الذي قد يُعرقل أو يدفع تحقيق هذه القضايا هو وجود أو غياب قيادة ذات رؤية وهدف سامي و نزعة يمكن ضبط بوصلتها الأخلاقية، مع توقعات فوق المتوسط. لا توقعات خيالية لأن القادة في نهاية الأمر بشر. undefined

الشرك التقليدي الذي أبتُلي به المحللون كشخصي هو مقارنة التفاح بالبرتقال، لذلك فإنني لن أفعل ذلك. ما سأفعله هو مقارنة التفاح بالتفاح مع ترك مساحة (لأن الأشياء لا تكون إما بيضاء أو سوداء وقد تصيرُ مُعقّدة) للتناظر والتفكر في مناظرة التفاح والبرتقال مهما بدا ذلك غير منطقياً.
هذا الموقف المفصلي يأتي في عدة هيئات وأشكال، عندما تنظر ماذا فعلت خطة مارشال للولايات المتحدة كمثال، والتي تعود تسميتها للقائد العسكري جورج مارشال الذين كان قائد قوات الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، ولاحقاً أصبح وزيراً للخارجية ووزيراً للدفاع. بالرغم من أنه لم يكن سياسياً ولا اقتصادياً، كان له الفضل في تقدّم النهضة الأوربية الحديثة عندما نادى بضخ مبالغ ضخمة من القروض والمساعدات لبناء أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية. عنصر القيادة كان المُحفّز لنجاح هذه الخطة رغم المعارضات القوية التي واجهتها من بعض السياسيين. قد يحتج البعض بأن خطة مارشال كانت من بنات أفكار حلقة إستراتيجية أكثر نفوذاً، لكن وبغض النظر عمّن كان صاحب الفكرة، فإنه ودون قيادة يقظة و ملتزمة كانت تلك الفكرة والإستراتيجية العظيمة ستظلُ مجرد فكرة.

دعونا نفكِّر في تجارب أكثر حداثةً وقُرباً ونأخذ بيرو كمثال. بيرو، من دول أمريكا الجنوبية كانت غارقة في حرب أهلية طويلة ومدمرة حصدت آلاف الأرواح، حيث كانت الجماعات الشيوعية المعارضة (الدرب المضيء) تحارب الحكومة. ثم جاء ألبيرتو فوجيموري، الرئيس المنتخب في تسعينيات القرن الماضي (نبدو طاعنين في السن ونحن نتحدث عن قرنين). فوجيموري كان رئيساً مثيراً للجدل أثار عدة تساؤلات حول سجل حقوق الإنسان وهو يحارب ويكسر إرادة الحزب الشيوعي. ولكنه، كان يمتلك القيادة، الإرادة السياسية والجَلَد لتنفيذ خطة بارعة لإصلاح الإقتصاد. الخطة تم تطويرها بواسطة إقتصادي متألق يُدعى هيرناندو دي سوتو، ضمن آخرين، والذي كتبتُ عنه بإعجاب عدة مرات. حُجتي تؤكد أن أفكار دي سوتو كانت لتكون مدفونةً ضمن البحوث الأكاديمية، لولا فوجيموري، لأن دي سوتو وزملاؤه كانت تنقصهم الخصائص القيادية اللازمة لتنفيذ خطتهم.

undefined

في أقل من عقد، حوّل فوجيموري الإقتصاد البيروفي إلى إقتصاد نشط وقابل للنمو. تم إجهاض مشروعه بهبّة سياسية شعبية، لكن تم وضع البلاد على مسارها الصحيح ويبقى إعتقادي أن للقيادة دورٌ مؤثر.

وبالنظر قريباً إلى عمقنا المحلي والإقليمي، تتبادر رواندا إلى الأذهان. كنتُ طالباً جامعياً شاباً في نيويورك عندما وقعت المأساة في 1994. لم تسعفني الكلمات أن أستوعب، دعك من أن أشرح، القتل غير المنطقي الذي كان يحدث في رواندا. الصراع تم ترسيخه على خلفيات قبلية متعصبة بتحريض الهوتو الأغلبية على التوتسي الأقلية. على مدى ثلاثة شهور فقط، أكثر من مليون شخص تم قتلهم بصورة وحشية وملايين نزحوا إلى دولٍ مجاورة. كان لابدّ لهذا الجنون أن يأخذ بعض الوقت ولقائد ثائر شاب بإسم بول كاغامي ليبرز ويصبح الرجل الأول في الحكومة. بجرّ الشريط عدة سنوات، رواندا حالياً أحد أنشط الإقتصادات وأسرعها نمواً، وكيغالي إحدى أجمل العواصم في إفريقيا. ولا حوجة للقول، أن قيادة كاغما كان لها الدور الأبرز في هذا التطور السريع نسبياً.

مفهوم أننا يجب أن نمتلك كل الإجابات لبدء حوار وخلق نقاشات مفهوم غير دقيق. هنالك محللون سياسيون درجة إهتمامهم بالسياسة نفسها يفوق ضآلةً معرفتي بتشغيل مسبار الفضاء (المتقاعد حالياً) ديسكفري. ما أطرحه هُنا هو الحوجة المُلّحة للإنخراط في نقاشات حول السياسات العامة (وليس السياسة) والحديث حول جوهر حديثي الرئيسي: وهو أن الخطط والأفكار مهمة للخروج بالدولة من غيابة الجُب. ولكن، حجر الأساس لأي تغيير ذي تأثير وأهمية هو وجود قيادات متفانية وذات رؤية. هذا النوع من القيادات هو نصف الحل لأن الأفكار كثيرة والخطط متوفرة من الباحثين الأكاديميين، لكن هناك نُدرة في القادة الحقيقيين ذوي النوايا الحسنة.

أحاولُ بصعوبة التمسُّك بإعتقادي أنه وخلال فترة حياتي، وفي حال توفّر القيادة السليمة، سننهضُ كأمة ونتقدم في طريق التنمية وننقلب على محور التخلف وتهكم المُعلّقين ونقد السياسيين. وربما حتى نوفر الإزدهار لشعبنا بخلق دولةٌ يكبُر فيها أطفالنا ويتفاخروا بها، دولةٌ يستقر بها أبناؤنا دون إبداء الرغبة الدائمة في المغادرة.

يمكنني الإستمرار بسرد الأمثلة لتدعيم أطروحتي، لكن لا حاجة لذلك. هدفي هو تحريك الشلل الفكري الذي نعيشه (أنا وبعضٌ ممن أعرفهم) وأن نبدأ فعلاً بالتقدُّم نحو سياسات عامة متماسكة تعزز البيئة لجذب قيادات وتوفر الأدوات العملية والنظرية التي تدفعهم للقيادة.

سأعود لربط كل هذا بواقعنا الأليم حيث إنتقلنا من وضع الطيران إلى السقوط الحُر. سأحاولُ أيضاً الإتيان بعدة أفكار لمناقشة مقدرتنا الجمعية لإلهام الأجيال القادمة لردم الهوة الماثلة في سبيل التقدم.